أهلي فرقوا شملنا، أمي اختارت أخويا، وأبويا اختار أختي، وسابوني أنا لدار أيتام. بعد 27 سنة، بقى عندي 217 موظف،
أهلي فرقوا شملنا، أمي اختارت أخويا، وأبويا اختار أختي، وسابوني أنا لدار أيتام. بعد 27 سنة، بقى عندي 217 موظف، ولما رجعوا يترجوني عشان نرجع لبعض، عزمتهم عندي...
لما أهلي انفصلوا، ماتخانقوش مين اللي هياخدني.. هما اتخانقوا مين اللي مش هياخدني.
كان عندي سبع سنين، قاعد على ترابيزة المطبخ قدامي طبق الكورن فليكس، وبراقب إيد أمي وهي بتترعش وهي ماسكة كوباية القهوة. أبويا كان واقف جنب الحوض، وإيده مجروحة من ليلة امبارح لما ضرب باب الخزين ببوكس خلى المفصلات تتني. أخويا الكبير، محمود، كانوا طلعوه أوضته فوق خلاص. وأختي دينا كانت بتعيط في الطرقة وهي بتتمسح وتعمل نفسها بتدور على جزمتها.
أمي قالت إن محمود هيعيش معاها. وأبويا قال إن دينا هتعيش معاه. وبعدها الاتنين سكتوا خالص.
فضلت مستني اسمي يتقال.
بس ماتقالش.
بعد تلات أيام، جت ست من الشؤون الاجتماعية وخدتني في عربيتها لدار الأمل للأيتام. كان معايا شنطة ظهر السوستة بتاعتها بايظة، وساندوتش لانشون ملفوف في كيس، وظرف مقفول مكتوب عليه اسمي بخط كبير. أمي باست راسي الصبح بس بسرعة، كأنها بتختم طرد بريد وبتركنه. وأبويا ماقدرش يحط عينه في عيني. محمود كان بيبص عليا من ورا السلالم، ودينا حركت شفايفها وقالت أنا آسفة من غير ما يطلع لها صوت.
عند البوابة، الست قالت لي إن أهلي
صدقتها لمدة ساعة واحدة بس.
لحد ما الساندوتش سخن في إيدي، والعربية اختفت، وبوابة الحديد اتقفلت ورايا. ساعتها فهمت يعني إيه الكبار بيستخدموا كلام ناعم عشان يداروا بيه حاجات بشعة.
هما اتخلوا عني.
أول ست شهور كنت بكتب جوابات كل أسبوع. كتبت لأمي، ولأبويا، ولمحمود، ولدينا. كنت بسألهم هرجع البيت إمتى؟ وهل سريري لسه مكانه؟ وسألتهم لو حد فتح الظرف ده بالغلط عشان أنا كنت خايف أفتحه. في جوابات رجعت لي من غير ما تتفتح، وأغلبهم تاهوا في زحمة السكوت.
وعلى سِن تسع سنين، بطلت أستنى.
لما وصلت اتناشر سنة، بدأت أبيع أقلام رصاص من كرتونة تحت سريري في الدار. ولما بقيت خمستاشر، بقيت ببيع شيبسي وكشاكيل وأقلام جاف لكل العيال في المبنى. ولما تميت تمنتاشر سنة، خرجت من الدار ومعايا 412 دولار، ودوسيه فيه ورقي، وكمية كره هادية لدرجة إنها كانت بتديني طاقة والتزام غريب.
بعد سنين، بنيت شركتي جروند وورك من الصفر. نمت على كنبات صحابي، واشتغلت في مطبعة، ودرست بيزنس بالليل، واتعلمت إن الراحة دي رفاهية للناس اللي ماترماش ورا البوابات. وعندي 34 سنة، بقى عندي 217 موظف، ومكاتب في أربع مدن، واسمي مكتوب في مجلات البيزنس جنب تقييم مالي كبير يخلي أي غريب يقول عليا ناجح.
المقال ده هو اللي وصلهم ليا.
أول حاجة أمي كلمتني.
ما رديتش على ولا مكالمة فيهم.
بعدها كلمتهم كلهم في وقت واحد وقلت لهم تعالوا مكتبي يوم الجمعة الساعة عشرة الصبح. لو عايزين تعرفوا إيه اللي حصل للطفل اللي رميتوه، تعالوا شوفوا هو بنى إيه.
يوم الجمعة الصبح، كنت براقبهم وهما داخلين الممر بتاع الشركة من كاميرات المراقبة.
وعلى مكتبي، كان لسه موجود الظرف اللي شايله بقالي سبعة وعشرين سنة.. ولسه ما اتفتحش.
.... التكملة في التعليقات دخلوا واحد ورا التاني، وكل واحد فيهم شايل سنين أكتر من اللي في وشه.
أمي دخلت الأول. شعرها بقى أبيض من قدام، ومازالت بتحط نفس البرفان الخفيف اللي كنت بشمه وأنا صغير. كانت ماسكة شنطة بإيديها الاتنين كأنها درع.
أبويا دخل بعدها. ضهره بقى محني شوية، وإيده اليمين فيها رعشة بسيطة. أول ما شفته افتكرت الجرح القديم جنب الحوض.
محمود دخل بكرش صغير وبدلة ضيقة عليه، وملامح الراجل اللي الدنيا طحنته.
ودينا دخلت آخر واحدة أول ما شافتني، دموعها نزلت فورًا.
سيبتهم يستنوا خمس دقايق في قاعة الاجتماعات الكبيرة.
قاعة زجاج، فيها ترابيزة طويلة تكفي عشرين شخص، وعلى الحيطة شاشة ضخمة عليها لوجو الشركة.
بعدها
وقفت في آخر القاعة، وسيبت الصمت ياكلهم.
أمي قامت تجري عليا، لكني رفعت إيدي.
لو سمحتي اقعدي.
وقفت مكانها كأن حد شد الفيشة من جسمها.
قعدت على رأس الترابيزة وقلت بهدوء
أنا دعوتكم النهاردة عشان تسمعوا، مش عشان تتكلموا.
أبويا بلع ريقه وقال
إحنا غلطنا يا ابني
بصيتله وقلت
أنا مش ابنك. الابن ما بيتسابش عند بوابة.
سكت.
فتحت درج المكتب، وطلعت الظرف القديم.
الورق اصفرّ من الزمن، والزوايا اتنت.
أمي أول ما شافته حطت إيديها على بقها.
قلت
فاكرينه؟
محدش رد.
أنا ما فتحتهوش طول السنين دي كنت مستني أبقى قوي كفاية أعرف تقيل فيه.
ببطء فتحت الظرف.
طلعت ورقة واحدة.
خط أمي.
قريت بصوت عالي
للجهة المختصة الطفل ياسين هادي وذكي، لكن وجوده هيعطل حياة كل طرف بعد الانفصال. نرجو توفير مكان مناسب له، ومع الوقت لما ظروفنا تتحسن، ممكن نرجع ناخده.
إيدي كانت ثابتة لكن صوتي كان فيه نار ساكتة.
بصيت لهم.
أنتم ما اختلفتوش مين ياخدني أنتم كتبتوا خطاب رسمي تتنازلوا عني.
دينا انهارت في العياط.
محمود قال بسرعة
أنا ماكنتش أعرف! والله ما كنت أعرف!
بصيتله وقلت
وأنت لما كبرت دورت عليا؟
سكت.
أبويا حاول يتكلم
أمك هي اللي
خبطت بإيدي على الترابيزة.
لأ. مفيش رمي للذنب النهاردة. أنتم أربعة وكل واحد سكت، والسكوت مشاركة.
أمي كانت بتعيط وهي
كنا صغيرين تايهين فقرا
ضحكت ضحكة قصيرة بدون فرح.
وأنا كنت سبع