والدة حسام الدسوقي، رجل الأعمال المعروف، كانت بتعاني من ألم ميتوصفش.
والدة حسام الدسوقي، رجل الأعمال المعروف، كانت بتعاني من ألم ميتوصفش. وجع مش عادي، مش صداع، دي حاجة تقيلة وبطيئة، كأن فيه حد جوه دماغها بيحرك أجراس مستخبية، بتدق من غير رحمة.
كانت قاعدة على طرف السرير الكبير، اللي منحوت من خشب غامق وتقيل، وضاغطة على دماغها بصوابع رفيعة ومشدودة. وشها شاحب، نفسها تقيل، وعينيها بتقفل وتفتح من شدة الوجع.
بقالها أسابيع بتعاني. كل يوم مع الفجر، تصحى على أنين، مش قادرة تنام، ومش لاقية وضعية تريحها.
القصر في التجمع الخامس مكنش بيسكت. أحسن دكاترة في القاهرة جُم أعصاب، جراحة، وعلاج طبيعي. كلهم بصوا على الفحوصات، استغربوا، وقالوا نفس الكلام كأنهم بيقرأوا من ورقة واحدة
الأشعة المقطعية سليمة تماماً.
تحاليلها مثالية.
ضغطها أحسن من بنت عندها عشرين سنة.
لكن الوجع كان بيزيد. كانت ساعات بتفقد الوعي، ووشها يصفر، كأن الحياة بتتسحب منها بهدوء.
حسام، اللي متعود يحل أي مشكلة بالفلوس والعقود والعلاقات، كان بيقع لأول مرة. جاب دكاترة من ألمانيا، واليابان، وسويسرا. اشترى أدوية نادرة، وعلاجات أغلى من تمن فيلا. حوّل جناح كامل في القصر لمستشفى أجهزة، شاشات، سراير، وتمريض.
بس... ولا حاجة نفعت. المرض أو أيًّا كان كان ساكن دماغ أمه زي ضل عنيد، رافض يمشي.
في ليلة من أصعب الليالي، كان قاعد جنبها، وماسك إيدها الباردة. نفسها بيطلع بصعوبة، شفايفها باهتة، وعينيها بترتعش مع كل موجة ألم. بلع ريقه وبص لها، وقال بصوت مكسور
أمي... استحملي، أرجوكي... الدكتور جاي... جاي في الطريق.
بس هو نفسه مكنش مصدق كلامه.
وفجأة، سمع صوت خفيف عند الباب. خطوات حذرة، كأن حد ماشي على إزاز. كانت سعاد، عاملة النظافة اللي بتشتغل في نوبة الليل. ست صغيرة، ملامحها
بس الليلة دي، وقفت عند العتبة ثواني زيادة عن المعتاد.
حسام لاحظ نظرتها. مكنتش فضول ولا تطفل، كان قلق. كأنها شايفة حاجة هو مش شايفها. قال لها بحدة، وهو تعبان ومخنوق من كتر الكلام اللي مجابش نتيجة
إنتي محتاجة حاجة؟
سعاد بلعت ريقها، وقالت بتردد
أنا آسفة يا بيه... بس أنا شفت حاجة زي كده قبل كده. في قريتي، في المنوفية... كانت ست هناك عندها نفس التعب.
حسام شد فكه وقال بسخرية
يعني إنتي فاهمة أكتر من الدكاترة؟
سعاد هزت راسها بهدوء، من غير ما تتأثر بالإهانة
لا يا بيه... مش أحسن منهم، بس مختلفة. ولو تسمح لي... يمكن أقدر أجرب حاجة.
حسام رفع حاجبه بدهشة. عاملة نظافة؟ عايزة تجرب حاجة مع أمه؟ كان هيطردها، وكان هيضحك بسخرية.
لكن في اللحظة دي، الحاجة صفية صرخت صرخة قوية، هزت الهوا كله. اتقوست فجأة، وحطت إيدها على دماغها من الناحية الشمال، كأن فيه حاجة بتضغط عليها من جوه بقسوة. حسام حس إن معدته بتتقبض.
مبقاش قادر يقف ساكت. قال بصوت واطي، والتحدي اختفى منه
إيه اللي... إيه اللي عايزة تعمليه؟....
مين عايز يكمل القصه المشوقة دىحسام فضل باصص لها ثواني، متردد بين الغضب واليأس. وبعدين قال بعصبية اتكلمي بسرعة أمي بتموت قدامي.
سعاد قربت خطوة، وعينيها على الحاجة صفية اللي كانت بتتنفس بصعوبة. همست الوجع بيبدأ مع الفجر صح؟ أيوه. وبيزيد لما تبقى لوحدها؟ حسام سكت لحظة، وبعدين قال أيوه إنتِ عرفتي منين؟
سعاد بصت ناحية السقف، كأنها بتفتكر حاجة قديمة، وقالت لأن الست اللي عندنا في البلد كان بيحصل معاها نفس الشيء بالظبط وكل الدكاترة قالوا إنها سليمة.
حسام
سعاد قربت من السرير بحذر، ومدت إيدها ناحية مخدة الحاجة صفية. وقبل ما حد يمنعها، رفعت المخدة بسرعة
وفجأة وشها اتغير.
طلعت من تحت المخدة كيس صغير متربوط بخيط أسود، ومليان بحاجة شبه التراب والملح والشعر.
الممرضة شهقت. وحسام اتجمد مكانه.
سعاد همست بخوف يا ساتر يا رب
حسام خطف الكيس من إيدها بعنف إيه ده؟!
سعاد ردت وهي مرعوبة ده اللي كان معمول للست عندنا نفس الحاجة. وبعد ما اتحرق خفت.
في اللحظة دي الحاجة صفية فتحت عينيها فجأة، وبصت مباشرة للكيس وصرخت صرخة خلت كل اللي في القصر يجروا على الأوضة.
ولأول مرة من أسابيع إيدها بطلت ترتعش.
حسام كان واقف مصدوم. عقله رافض يصدق، بس اللي شايفه قدامه حقيقي.
صرخ في الخدم مين دخل أوضة أمي؟! مين؟!
الكل اتوتر، والعيون بدأت تتحرك بخوف بين بعض.
لكن سعاد كانت مركزة على حاجة تانية على صورة كبيرة متعلقة قدام السرير مباشرة.
صورة عائلية قديمة.
قربت منها ببطء، وبعدين قالت بصوت منخفض الصورة دي كانت هنا من البداية؟
حسام رد بسرعة أيوه دي صورة العيلة كلها من خمس سنين.
سعاد قربت أكتر، ولمست إطار الصورة، وفجأة حست بحاجة تحت الخشب.
ضغطت بإصبعها
فاتفتح جزء صغير مستخبي جوه الإطار.
ووقع منه نفس التراب الأسود.
المرة دي حسام حس ببرودة مرعبة تسري في ضهره.
لكن الصدمة الأكبر كانت لما الحاجة صفية بصت على الصورة، وطلعت منها أول جملة مفهومة بقالها أيام
مش سعاد
كلهم بصوا لها.
الحاجة صفية كانت بتترعش وهي شاورة بإيدها الضعيفة ناحية الباب، وعينيها مليانة رعب البنت دي شفتها قبل كده
حسام قرب منها بسرعة مين؟! فين؟!
الحاجة صفية بلعت ريقها بصعوبة، وقالت في عزاء أبوك.
الغرفة كلها سكتت.
لأن والد حسام مات من سنتين
وسعاد نفسها بدأ لون وشها يختفي، كأنها افتكرت حاجة كانت مدفوناها جواها من سنين.
وقالت بصوت مرتعش لا مستحيل
ثم رفعت عينيها ناحية حسام وقالت أنا ماجتش هنا صدفة يا بيه حسام حس إن الأرض بتميل تحته.
بص لسعاد بنظرة حادة، وقال يعني إيه ماجتيش صدفة؟ انطقي!
سعاد كانت واقفة بتفرك صوابعها بتوتر، وعينيها مليانة خوف قديم. قالت بصوت متقطع أنا كنت بدور على الحقيقة.
حقيقة إيه؟!
بلعت ريقها وقالت حقيقة موت أبوك.
الصمت نزل على الأوضة كأنه حجر تقيل.
الممرضة خرجت بهدوء، والخدم بعدوا بخوف. مفضلش غير حسام، أمه، وسعاد.
حسام قرب منها بعصبية أبويا مات بأزمة قلبية. كل التقارير قالت كده.
سعاد هزت راسها ببطء التقارير ممكن تتزور بس اللي شوفته بعيني مايتنساش.
الحاجة صفية بدأت تتنفس أسرع، كأن الكلام بيرجع لها ذكريات دفنتها بالقوة.
حسام قال بحدة إنتِ مين أصلًا؟!
سعاد رفعت عينيها لأول مرة مباشرة في عينه أنا بنت الغفير القديم بتاع مزرعة الدسوقي في المنوفية.
الاسم ضرب حاجة في ذاكرة حسام. الغفير القديم عم جابر اللي اختفى فجأة من سنين.
سعاد كملت أبويا مات بعد وفاة الحاج الدسوقي بأسبوعين. قبل ما يموت فضل يكرر جملة واحدة القصر ده مستخبي فيه مصيبة واللي عملوه هيرجع لهم.
حسام حس قلبه يدق بعنف عملوا إيه؟!
سعاد قربت خطوة وهمست ليلة وفاة أبوك أبويا شاف حد خارج من مكتب الحاج الدسوقي متأخر جدًا. وكان ماسك نفس الكيس الأسود ده.
حسام قبض على الكيس بإيده بقوة مين؟!
سعاد سكتت ثواني وبعدين بصت ببطء ناحية الحاجة صفية.
حسام اتصدم أمي؟! إنتِ اتجننتي؟!
الحاجة صفية بدأت تبكي فجأة. دموع نازلة بصمت، ووشها مليان ذنب
قالت بصوت ضعيف أنا مكنتش أعرف إن الأمور هتوصل لكده
حسام رجع خطوة لورا، كأنه