دفعت لراجل بقلم زيزي

لمحة نيوز

كسر إنسان يبقى محتاج يتصلّح.
سكتوا كلهم.
وأول مرة حسيت إن صوتي مسموع بجد.
بعد الاجتماع، الراجل اللي كان بيراقبني من البداية كلمني على انفراد.
قال لي
إنتي فاكرة إنك بس بتساعدي الناس؟
قلتله
أيوه.
هز راسه وقال
لا إنتي بتعيدي تعريف معنى القوة.
سكت شوية وبعدين كمل
وفي مرحلة جاية هتختاري مش بس مين يتساعد لأ هتختاري مين يتغير نظامه بالكامل.
وقتها حسيت بقشعريرة.
وفهمت إن الموضوع ما بقاش مجرد قرارات صغيرة.
ده بقى وزن حقيقي.
وفي نفس الليلة وأنا راجعة البيت، وقفت قدام المراية
وشفت نفسي لأول مرة بشكل مختلف.
مش كاشير زي زمان.
ولا ضحية ظروف.
ولا موظفة جديدة في شركة كبيرة.
أنا بقيت حاجة وسط كل ده
حد واقف في النص بين الفلوس والإنسان.
وبصوت واطي قلت لنفسي
هو أنا بدأت من رغيف عيش ولا لسه في رغيف تاني هيغيّر كل حاجة؟
وفجأة
نور الساعة اشتغل لوحده.
والمؤشر وقف على رقم غريب ما شفتهوش قبل كده.
وملف جديد ظهر على الشاشة
حالة طارئة لا تقبل التأجيل.
وقتها بس
عرفت إن القصة لسه ما خلصتش خالص اتجمدت قدام الشاشة.
حالة طارئة لا تقبل التأجيل.
قلبي
بدأ يدق بسرعة غريبة أسرع من أي مرة قبل كده.
ضغطت على الملف.
وظهر قدامي اسم واحد بس
الراجل نفسه والتر.
اتسمرت.
إزاي؟! هو مات أنا شُفت التقرير بنفسي!
بس قبل ما أكمل تفكير
الملف فتح.
وفيديو اشتغل.
والصدمة الحقيقية كانت في اللي شوفته
مش والتر.
كان طفل صغير، في مكان شبه مستشفى، ووشه مرهق جدًا، وبيتنفس بالعافية.
وصوت الراجل اللي كان بيراقبني ظهر في الخلفية
إنتي فاكرة إن القصة انتهت عنده بس هو كان ليه امتداد.
بلعت ريقي وأنا مش فاهمة.
الطفل ده حفيده ومفيش حد يعرف عنه حاجة غيرنا.
وقفت فجأة.
حفيده؟!
كمل الصوت
بعد ما الراجل مات، كل ثروته وقعت في نزاع قانوني وفيه ناس عايزة تاخد كل حاجة حتى لو الطفل ده ضاع في النص.
حسيت إن جسمي بيبرد.
والطفل حالته خطيرة محتاج قرار سريع أو ممكن ما يلحقش.
سكت ثواني.
وبعدين قال الجملة اللي كسرت ترددي كله
إنتي آخر واحد يقدر يختار من غير ما يتأثر بالمصالح.
قفلت عيني لحظة.
وبعدين افتكرت كل حاجة رغيف العيش الراجل اللي كان بيعيط أول قرار مساعدة أول مرة حسيت إني إنسانة مش كاشير.
فتحت عيني.
وقلت بصوت ثابت
لأول مرة
أنا عايزة أنقله فورًا لمستشفى خاص وكل التكاليف تتحملها المنظومة.
سكتوا لحظة.
وبعدين الرد جه
تم التنفيذ.
قفلت الشاشة.
وساعتها لأول مرة من بداية الحكاية
حسيت إني مش بختار بين نظام وقلب.
أنا ببني حاجة جديدة فيها الاتنين مع بعض.
لكن وأنا بريح ضهري على الكرسي
نور الساعة بدأ يومض بسرعة.
والرقم اللي وقف عنده قبل كده
بدأ يرجع يعدّ من جديد وكأنه بيقول
لسه في اختبار تاني وأصعب فضل نور الساعة يومض شوية وبعدين هدى فجأة.
سكون غريب دخل المكان.
وبعد ثواني، الشاشة فتحت لوحدها لكن المرة دي مفيش بلاغات، مفيش ملفات، مفيش اختبارات.
بس رسالة واحدة بس.
تم إغلاق النظام التجريبي. شكرًا لمشاركتك.
اتجمدت مكاني.
إغلاق؟ يعني إيه؟
وفجأة ظهر صوت الراجل اللي كان بيراقبني من الأول بس المرة دي كان صوته أهدى جدًا، كأنه مطمّن
الاختبارات خلصت يا ريبيكا.
بلعت ريقي
يعني إيه خلصت؟ الطفل والنظام وكل ده؟
رد بهدوء
كل حاجة حصلت كانت حقيقية بس الهدف منها كان واحد نشوف في حد لسه قلبه شغال وسط كل الزحمة دي ولا لأ.
سكت لحظة.
وإنتي كنتي الإجابة.
دموعي
نزلت من غير ما أحس.
يعني أنا دلوقتي خلاص؟
ضحك ضحكة خفيفة وقال
لا إنتي دلوقتي بدأتِ بجد.
وقبل ما أتكلم
الشاشة قفلت.
والساعة اللي في إيدي
وقفت عن الوميض.
لكنها ما اختفتش.
بقت ساعة عادية بس غريبة، كأنها فقدت سحرها وبقت أثمن.
عدّى وقت
رجعت حياتي هادية شوية، بس مختلفة تمامًا.
مش لأن عندي فلوس أكتر ولا منصب كبير
لكن لأن كل يوم كنت بختار أكون إنسانة مش بس موظفة.
وفي يوم عادي جدًا
وأنا خارجة من الشغل، لقيت طفل صغير واقف عند باب السوبرماركت ماسك رغيف عيش صغير في إيده، وواقف محتار.
نفس المشهد
نفس البداية.
بس المرة دي
ما استنيتش حد يقرر.
قربت منه بهدوء، وابتسمت وقلت
حاسس إنك محتاج حاجة؟
بصلي بخجل وهز راسه.
مسكت إيده، وخليته يدخل معايا.
مش عشان أختبر حاجة
بس عشان أنا عرفت خلاص.
دخلنا نختار الأكل سوا.
ومن غير أي كاميرات ولا اختبارات ولا أنظمة
دفعت الحساب من جيبي، وهو طلع يضحك لأول مرة.
وأنا ببص له
حسيت إن الدايرة اتقفلت.
من رغيف عيش صغير
لبداية حكاية كبيرة
لحد ما رجعت تاني لنقطة بسيطة جدًا
إن إنسان يساعد إنسان.
وقبل ما يمشي،
بصلي وقال
شكراً يا طنط.
ابتسمت.
وبصيت للساعة في إيدي
وقلت في سري
تمام كده كفاية.
ومشيت.
والمرّة دي
ماكنش في أي اختبار.
كان في سلام.

تم نسخ الرابط