الولد الفقير بقلم زيزي
الولد الفقير كان بيشحت وهو شايل صورة أبوه المريض والملياردير اتجمد مكانه أول ما بص كويس
الشارع في القاهرة كان زحمة، حر، ومليان تراب. عربيات بتزمر من غير رحمة، وبياعين بيصوتوا على بضاعتهم، والجو كله دوشة. وفي وسط كل ده، كان في طفل صغير قاعد على الرصيف بهدوء غريب.
كان شكله عنده حوالي ٨ سنين. هدومه مقطعة، ورجليه حافية. وفي إيده كرتونة مكتوب عليها بخط مهزوز
لو سمحتوا ساعدوني بابايا تعبان ومش معايا فلوس.
وكان لازق عليها صورة صغيرة لراجل نايم على سرير مستشفى، جسمه هزيل ووشه باين عليه التعب.
اسم الولد كان كريم.
كان قاعد من الصبح، ساكت ومستني حد يقف. أغلب الناس كانت بتعدي كأنهم مش شايفينه. في واحدة رمت له عملة معدنية جنب رجله ومشيت من غير ما تبص له. كريم خدها ومسك الكرتونة أكتر.
كان جعان ماكلش من امبارح. بس كان واعد أبوه إنه مش هيرجع غير لما يجيب فلوس للمستشفى.
فاستحمل وقعد.
أبوه، حسن، كان اتحجز في مستشفى الأمل العام من ٣ أسابيع بعد ما وقع في السوق فجأة. المستشفى كانت بسيطة وحالتها على قدها، بس كانت المكان الوحيد اللي وافق يستقبله. الدكاترة قالوا إن عنده مشكلة خطيرة في القلب، محتاج علاج يومي وراحة وأكل كويس. الفاتورة كانت بتزيد كل يوم، وقبلها
ليلتها كريم عيط كتير وتاني يوم كتب الكرتونة.
حسن كان راجل طيب وهادي، ربّى كريم لوحده من بعد ما أمه، سميّة، ماتت وهو صغير. كريم بالكاد فاكرها، بس كان في صورة صغيرة ليها معلقة على حيطة الأوضة اللي ساكنين فيها. كل يوم الصبح قبل ما ينزل يبيع لب، حسن كان يلمس الصورة دي لحظة كده من غير كلام.
وكان ساعات يحكي عن عيلته اللي فقدها.
كان ليه أخ سابه من زمان وسافر، ومارجعش تاني. حسن كان نادرًا ما يجيب سيرته، ولما بيعمل كده صوته كان بيتغير كأن في وجع مستخبي جواه. كريم سأله مرة عمه فين.
قال له بعد سكوت طويل
بعيد بعيد أوي.
في الوقت ده، عربية سودا فخمة وقفت جنب الرصيف اللي كريم قاعد عليه. كانت لامعة وغالية، وغريبة جدًا وسط المكان ده. الإزاز نزل شوية.
جوا كان قاعد راجل لابس بدلة شيك، ووشه فيه قوة وتعب وش واحد شاف كتير في حياته وبقى مش بيثق في حد. اسمه شريف.
شريف كان واحد من أغنى رجال الأعمال في البلد. شركته اسمها في كل حتة على عمارات، في الجرايد، في التليفزيون. الناس كانت بتحترمه وتخاف منه بس محدش يقدر يقول إنه سعيد. لا متجوز، ولا عنده عيال، ولا حتى أصحاب بجد. بنى حواليه سور كبير وسماه نجاح.
السواق كان هيكمل
استنى.
كان شاف أطفال كتير بيشحتوا قبل كده، وكان بيتبرع لمؤسسات كتير. مش من نوع الناس اللي بتقف لكل حد. بس في حاجة في الولد ده خلته يبص تاني.
الطفل مش بيعيط مش بيستعطف كان قاعد ساكت كأنه خلاص مفيش كلام يقدر يقوله.
شريف نزل من العربية.
كريم بص له ورفع الكرتونة شوية.
شريف قرب، قرا الكلام، وبعدين بص على الصورة اللي لازقها
وفجأة اتجمد مكانه.
تحب تعرف إيه اللي حصل بعد كده؟شريف فضل باصص على الصورة كأنه شاف شبح إيده بدأت ترتعش، وقلبه خبط بسرعة.
قرب الصورة أكتر ووشه شحب فجأة.
همس بصوت مبحوح حسن؟!
كريم رفع عينه بسرعة إنت تعرف بابايا؟!
شريف ما ردش كان لسه مصدوم. نفس الملامح نفس الندبة الصغيرة فوق الحاجب نفس النظرة حتى وهو تعبان.
رجع شريف خطوة لورا كأن الأرض بتهتز تحته.
مستحيل مستحيل يكون هو
بص لكريم تاني، المرة دي بتركيز اسم باباك إيه؟!
حسن حسن عبدالسلام.
ساعتها شريف حس إن الدنيا اسودت في عينيه الاسم أكد كل حاجة.
ده أخوه.
الأخ اللي سابه من سنين وسافر وسابه في الفقر لوحده وما رجعش يسأل عليه حتى.
قعد شريف على ركبته قدام كريم فجأة، وصوته اتكسر أنا أنا عمك يا كريم.
كريم اتصدم عمي؟! بس بابا قال إنك بعيد!
شريف غمّض عينه بألم
بص تاني للصورة، وحس بوخزة ندم عمرها سنين فين المستشفى؟!
مستشفى الأمل العام.
شريف قام بسرعة اركَب معايا حالًا!
كريم اتردد لحظة، بس نظرة شريف كانت صادقة بشكل غريب فركب.
العربية انطلقت بسرعة جنونية، وشريف طول الطريق ساكت بس دموعه كانت بتنزل من غير ما يحس.
بعد نص ساعة كانوا قدام المستشفى.
دخلوا بسرعة، والممرضات اتفاجئوا بالراجل المهم ده اللي داخل يجري كده.
شريف وصل لأوضة حسن ووقف عند الباب لحظة.
إيده كانت بترتعش.
فتح الباب ببطء
حسن كان نايم على السرير، ضعيف جدًا، الأجهزة حواليه وأنفاسه تقيلة.
شريف قرب خطوة خطوة، وكأن كل خطوة بترجعه سنين لورا.
حسن
الصوت طلع مكسور.
حسن فتح عينه بالعافية وبص له.
لحظة صمت
وبعدين عينه وسعت بصدمة شريف؟!
الاسم خرج منه بصعوبة.
شريف وقع على ركبته جنب السرير سامحني يا حسن سامحني أنا سيبتك لوحدك سيبتك تتبهدل وأنا عايش في نعيم!
دموعه كانت بتنزل بغزارة.
حسن بص له شوية وبعدين ابتسم ابتسامة ضعيفة كنت عارف إنك هترجع.
الكلمة دي كسرت شريف أكتر.
مسك إيده أنا مش هسيبك تاني أبدًا!
وفي نفس اللحظة، شريف خرج بره وصرخ للدكتور عايز أحسن دكاترة أحسن علاج الفلوس مش مشكلة! اعملوا كل اللي تقدروا عليه!
المستشفى
في خلال ساعات، حسن اتنقل لمستشفى خاص كبير، واتحجز في