قصة عامل البناء
أعار عامل بناء فقير في فرنسا موبايله لطفل مايعرفوش، عشان الولد يطمن أهله وكان فاكرها حركة بسيطة من باب الجدعنة. عمره ما تخيّل إن المكالمة دي هتكون بداية حكاية هترجّعه لهويته بعد أكتر من عشرين سنة ضايعة.
في ضهر يوم هادي على موقع بناء على أطراف باريس، والشمس بدأت تميل للغروب، صوت الخلاطات وهي بتلف، والطوب وهو بيخبط في بعضه، كانوا ماليين المكان. محمد عامل بناء في أوائل التلاتينات مسح عرقه بطرف إيده وقعد على كومة طوب يريح شوية. حياته كانت بسيطة يمكن قاسية كمان شغل طول اليوم، وبالليل يرجع أوضة صغيرة مأجرها في حي شعبي، ياكل أي حاجة تسد جوعه، وينام عشان يصحى يكرر نفس اليوم.
محمد اتربى في دار أيتام في باريس. من وهو صغير وهو عارف إنه اترمي قدام باب الدار مفيش أي ذكرى عن أهله، ولا أي فكرة هو أصله منين. مع الوقت اتعود يعيش كده من غير ما يسأل، كأن ماضيه باب مقفول واتقفل عليه من زمان.
في اليوم ده، وهو والعمال بيجهزوا يمشوا، قرب ولد عنده حوالي 8 أو 9 سنين من بوابة الموقع. هدومه مبهدلة، وجزمته بايظة، وعينيه حمرا كأنه كان بيعيط من شوية. قال بصوت مهزوز يا عم معاك موبايل؟ ممكن أعمل مكالمة؟ أنا تايه. محمد بص حواليه المكان لسه فيه حركة، بس كله مشغول. بعد تردد بسيط، طلع موبايله
بعد دقايق، محمد أخد الموبايل وشرح بهدوء إن الولد أمان عنده في الموقع، ووصف لهم المكان. بعد نص ساعة تقريبًا، عربية وقفت قدام البوابة فجأة. نزل منها راجل وست بيجريوا. الأم حضنت ابنها جامد وهي بتعيط، والأب فضل يشكر محمد وهو مش عارف يقول إيه. أصروا يعزموا محمد على قهوة بسيطة جنب الموقع يشكروه.
وهما بيتكلموا، الست اسمها نادية سألته فجأة إنت شغال هنا بقالك قد إيه؟ وأهلك فين؟ محمد ابتسم ابتسامة خفيفة، بس كان فيها وجع مستخبي أنا ماليش حد هنا اتربيت في دار أيتام ومن ساعتها وأنا شغال. الجو سكت فجأة. نادية وشها اتغير كأن ذكرى قديمة صحيت جواها. فضلت تبص لمحمد كويس في ملامحه، عينيه، طريقته وبعدين سألته بهدوء إنت عندك كام سنة؟ أو اتولدت سنة كام؟ رد محمد: 1993.
سألته نادية: طب وإنت صغير كان معاك حاجة؟ أي حاجة قديمة؟ محمد سكت لحظة، حس بحاجة قديمة مدفونة جواه بتطلع فجأة. هز راسه وقال أيوه قالوا كان معايا سوار قماش أحمر قديم شوية. لسه محتفظ بيه بس معرفش ليه. المعلقة
أحمد (الأب) قرب شوية وقال بصوت متردد: السوار ده إحنا اللي عملناه كان لابننا. نادية بدأت تعيط وهي بتتكلم: كان عندنا ابن اسمه محمد اتولد سنة 1993 وفي يوم اتسرق مننا. محمد حس برجليه بتتهز كأنه مش قادر يستوعب: اتسرق؟ إزاي يعني؟! أحمد أخد نفس عميق وقال: كنا في مستشفى ونادية كانت تعبانة بعد الولادة، في زحمة كبيرة حصلت ولما فوقنا الطفل كان اختفى. نادية كملت وهي بتبكي: كان معاه سوار أحمر خيطته بإيدي وكتبت عليه حرف "م" عشان لو ضاع أعرفه.
محمد حط إيده على قلبه دموعه نزلت من غير ما يحس: بس إزاي؟ أنا اتربيت في دار أيتام قالوا إني لقيوني قدام الباب. أحمد قال بحزم: وده معناه إن اللي سرقك رماك هناك بعد كده.
بعد أسبوع من الترقب، راحوا لمعمل التحاليل. النتيجة كانت في ظرف أبيض صغير. أحمد قرأ وسكت، ثم بص لمحمد ودموعه نزلت: إنت ابننا يا محمد. نادية صرخت من الفرحة، وقامت حضنته بقوة وهي بتعيط: ابني ابني رجعلي بعد كل السنين دي! محمد حضنها وانفجر في العياط؛ عياط سنين الوحدة والسؤال اللي ملوش إجابة.
حياة محمد اتغيرت، بقى عنده عيلة. وبدأ
بدأوا يدوروا في الماضي، ورجعوا للمستشفى. لقوا ممرضة كبيرة في السن كانت شغالة وقتها. لما شافت محمد اتوترت وقالت: كان في ست كانت بتتحرك كتير في القسم ومش تبعنا، بعد ما الطفل اختفى اختفت هي كمان. اسمها كان سعاد. الاسم وقع زي الصدمة على محمد؛ لأنه كان سمعه قبل كده في دار الأيتام، كانت في ست بتيجي تزور بعض الأطفال وكانت دايمًا تبص له هو بالذات.
بمساعدة الشرطة، وصلوا لمكان سعاد. لما فتحت الباب وشافت محمد وشها شحب. قالت وهي ترتعش: أنا كنت محرومة من الخلفه، كنت عايزة طفل بس ماقدرتش أربيك، خفت فرميتك قدام دار الأيتام بس كنت برجع أشوفك من بعيد. محمد صرخ: ومن حقك تعملي فيا كده؟! حرمتيني من أهلي 20 سنة! الشرطة أخدتها والقضية اتفتحت من جديد.
بعد شهور، وقف محمد قدام دار الأيتام اللي اتربى فيه. بص للباب نفس الباب اللي اترمى قدامه وهو رضيع. بس المرة دي كان واقف وهو عارف هو مين، وراه عيلة وحياة وأصل. ابتسم وقال بهدوء: يمكن البداية كانت صعبة، بس النهاية استاهلت. نادية مسكت إيده، وأحمد واقف جنبه، والولد الصغير اللي ضاع يومها كان السبب في