لإرضاء أمي أهنتُ زوجتي، وحبستُها وحدها في غرفةٍ مظلمة حتى الفجر

لمحة نيوز

اسمي عباس، ومنذ تلك الليلة وأنا لا أستطيع النظر إلى وجهي في المرآة. في تلك الليلة فعلت ما لا يفعله رجلٌ يعرف الله، ولا رجلٌ يعرف معنى الأمانة. صدّقتُ أمي على زوجتي.. مرةً أخرى.
بدأ كل شيء بعد صلاة العشاء، داخل بيتنا القديم في أحد أحياء البصرة، حين اجتمعنا حول السفرة الصغيرة في الديوان الداخلي. كانت رائحة مرق البامية تملأ المكان، والخبز الحار ما زال يخرج منه البخار، لكن الجو كان أثقل من أن تُؤكل فيه لقمة واحدة براحة. جلست أمي، أم جاسم، في صدر المجلس كعادتها، تراقب كل حركة بعينيها الحادتين. أما زوجتي، سارة، فكانت صامتة بشكل غريب.. شاحبة.. مرهقة.. وكانت تضع يديها فوق بطنها طوال الوقت، كأنها تخفي وجعًا لا تريد لأحد أن يراه.
قالت أمي وهي تُنزِل الملعقة بقوة المرق بارد.
أخذت سارة نفسًا بطيئًا ثم قالت بهدوء متعب سخّنته أكثر من مرة يا أمي، لكنكِ تأخرتِ في الزيارة.
وفجأة تغيّر وجه أمي بالكامل. امتلأت عيناها بالدموع بسرعة اعتدتُها منها منذ طفولتي، وضعت يدها على صدرها وقالت بصوت مرتجف أرأيت يا عباس؟ زوجتك تهينني داخل بيت ابني.
شعرت بالغضب يشتعل داخلي فورًا. وقفت من مكاني بعصبية، ولم أنتبه حتى إلى وجه سارة حين انكسر أمامي. قلت لها بحدة اعتذري

لأمي.
رفعت رأسها ببطء، ونظرت إليّ نظرةً لم أنسها ما حييت.. نظرة امرأة بدأت تفقد آخر ذرة أمان في قلبها. قالت بصوت خافت أمك لا تريد اعتذارًا، أمك لا تريدني زوجة لك.
لا أعرف لماذا فقدت أعصابي بذلك الشكل، لكنني ضربتها وأمسكت ذراعها بقوة، وسحبتها عبر الممر حتى غرفة التخزين الصغيرة أسفل الدرج. تلك الغرفة التي نضع فيها الصناديق القديمة، والمدافئ المعطلة، وأغراض الشتاء التي لا نستخدمها. فتحت الباب ودفعتها إلى الداخل، ثم قلت ببرود حين يزول عنكِ العناد، سأخرجك. وأغلقت الباب بالمفتاح.
في تلك اللحظة ساد صمت مخيف. لم تصرخ.. لم تضرب الباب.. وذلك أكثر ما كان يجب أن يخيفني. كل ما سمعته كان صوتها من الداخل، مكسورًا ومتعبًا عباس لا تتركني هنا الليلة أرجوك.
شعرت بشيء يضغط صدري، لكن أمي كانت تقف خلفي مباشرة، تبكي بصمت، ثم قالت اتركها، بعض النساء لا يعرفن حدودهن إلا بهذه الطريقة. تلك الجملة جعلت القشعريرة تمر في جسدي، لكنني لم أفعل شيئًا. دخلت غرفتي وحاولت النوم.
في منتصف الليل تقريبًا، سمعت صوت ارتطام خافت، ثم صوتًا آخر، وبعدها بدا وكأن أحدًا يحرّك الصناديق داخل المخزن. هممت بالنهوض، لكنني وجدت أمي واقفة عند باب الغرفة تحمل كوبًا من الشاي، قالت بهدوء
غريب لا تذهب إليها، إنها تحاول التأثير عليك. أخذت الكوب من يدها وشربته، ولا أذكر بعد ذلك كيف غفوت.
حين أذّن الفجر، استيقظت وأنا أشعر بثقل غريب في صدري، كأن شيئًا سيئًا حدث بالفعل. خرجت مسرعًا نحو المخزن، فوجدت أمي جالسة في الصالة، مرتبة عباءتها، وشعرها مغطى بإحكام، وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة. قالت ببرود افتح الباب لنرَ إن كانت قد تعلّمت الأدب.
أدخلت المفتاح، وكانت يدي ترتجف. فتحت الباب بسرعة.. ثم تجمدت.
الغرفة كانت فارغة، سارة اختفت. النافذة الصغيرة المغطاة بالحديد لا يمكن لإنسان أن يخرج منها، والباب كان مغلقًا بالمفتاح طوال الليل. لا أثر لكسر.. لا دم.. لا حتى صرخة. فقط خاتم زواجها ملقى على الأرض، وبجانبه جهاز تحليل حمل؛ خطّان أحمران واضحان، وفوق الجهاز مكتوب بخط يدها كنت أنوي أن أفرحك.
شعرت بالأرض تميد تحت قدمي. نظرت إلى أمي بصدمة أين ذهبت؟ لكن أمي لم تُجب، كانت تنظر إلى زاوية الغرفة بخوف غريب لأول مرة.
بدأت أحرّك الصناديق بعشوائية، أقلب كل شيء، وأصرخ باسمها. ثم انتبهت إلى شيء خلف خزانة خشبية قديمة؛ آثار خدوش جديدة على الجدار وكأن أحدهم حاول فتحه من الداخل. دفعت الخزانة بكل قوتي، فظهر خلفها باب خشبي ضيق، مطلي بنفس لون الحائط.
تراجعت خطوة وأنا أحدق فيه؛ لقد عشت في هذا البيت منذ طفولتي وأقسم أنني لم أرَ هذا الباب يومًا. وضعت يدي عليه ودفعته ببطء، فانفتح ممر ضيق مظلم، تنبعث منه رائحة رطوبة قديمة ودخان شموع.
وعلى الأرض، كانت هناك بطانية طفل صغيرة، باهتة اللون، ومطرز عليها اسمي بخيط أزرق قديم عباس. تجمد الدم في عروقي، وخلفي مباشرة سمعت أمي تئن بخوف لا تدخل إلى هناك.
لكن الوقت فات؛ لأنني في آخر الممر، ومن خلف أكوام الصناديق المغلقة بالشريط الأصفر، سمعت صوت سارة. لم تكن تبكي، ولم تكن تستغيث، كانت تتحدث مع أحد.. وأحدهم رد عليها بصوت رجولي أجش، صوت كنت أظن أن صاحبه مات منذ أكثر من ثلاثين سنة.
تجمّدت في مكاني عند آخر الممر. الصوت لم يكن مجرد ذكرى، كان واضحًا، قريبًا، كأنه يخرج من الجدار نفسه أخيرًا جيت يا عباس.
سارة لم ترد، لكنني سمعتها تتحرك بخفة، كأنها ليست أسيرة بل كأنها تعرف المكان أكثر مني.
خطوت خطوة واحدة فقط، فانطفأ المصباح الوحيد في الممر، وبقيت في العتمة. سمعت أمي خلفي تهمس بصوت مرتجف لأول مرة قلت لك ما تدخلش هناك. لكن صوتها هذه المرة لم يكن أمرًا، كان خوفًا.
تقدمت رغم الظلام، وكل خطوة كانت كأنها تمشي على ذاكرة مش على أرض، حتى وصلت لنقطة اتسع فيها
الممر قليلًا،
تم نسخ الرابط