قصة "سلمى وحسن"

لمحة نيوز

بنت عندها 7 سنين كلمت النجدة وهي بتعيط وبتقول "بابا مرجعش البيت"، واللي الشرطة كشفته بعد كام يوم خلى مصر كلها تعيط.. "بابا قال نص ساعة وراجع.. بس بقاله أربعة أيام مجاش".. الصوت كان طالع من تليفون النجدة زي خيط دايب، أضعف بكتير من صوت المطر اللي كان بيرزع في سقف الصاج في حتة شعبية متطرفة في عين شمس.

​عماد الموظف اللي قاعد على سماعة الطوارئ اتعدل في مكانه وقال "اسمك إيه يا حبيبتي؟".. قالت له "سلمى، عندي سبع سنين".. عماد بص على الشاشة، البلاغ جاي من بيت إيجار في شارع ضيق، من الشوارع اللي الناس فيها بتبص من الشبابيك لو في خناقة بس محدش بيفتح بابه لو حد محتاج مساعدة.

​"إنتي لوحدك يا سلمى؟".. ساد صمت تقيل مكسور بشهقة "أيوه، بابا راح يجيب دوا وأكل، قال مش هيغيب.. بس مغابش ده تاه.. وبطني بتوجعني أوي يا عمو".. دم عماد اتجمد في عروقه وسألها "أكلتي إمتى آخر مرة؟".. ردت بصوت مجهد "مش عارفة، كان فيه حلة شوربة بس ريحتها وحشة، شربت مياه من الحنفية وشربت فلفل معايا".. "مين فلفل ده؟".. "دبدوبي".

​وصول المساعدة واكتشاف المأساة

​عماد شاور بلهفة لزميله يبعت أقرب دورية للمكان وقال "سلمى، اسمعيني، فيه طنط شرطية اسمها مريم جاية لك دلوقتي، خليكي معايا على الخط يا بطلة".. بعد ثلث ساعة كانت مريم واقفة قدام بيت متهالك، دهانه مقشر وصورة العذراء والست عيشة ملزوقين جنب بعض على الباب، ونور السلم مطفي والمطر مغرق الشبابيك المكسورة.

​خبطت بالراحة "سلمى، أنا مريم، جاية أساعدك".. الباب اتفتح حتة صغيرة وظهرت عين خايفة "حضرتك هتضربيني؟

".. مريم نزلت لمستواها وقالت بحنان "لا يا روحي، محدش يقدر يلمسك".. الباب اتفتح على آخره ومريم قلبها وجعها، البنت كانت حافية ولابسة تيشيرت كبير أوي عليها، باين إنه بتاع باباها، شفايفها مشققة ودراعاتها زي العيدان ووشها مخطوف من الجوع.

​المطبخ كان يصفر، الثلاجة مفيهاش غير مياه، وعلى التربيزة ورقة مكتوبة بخط إيد مهزوز "رز، شوربة فراخ، محلول جفاف، دوا سلمى" وجنبها ورقة تانية مطوية "ميعاد دكتورة القلب.. عاجل".

​أحكام الناس القاسية

​الجيران بدأوا يتلموا، الست أم هاني من البيت اللي قصادهم ربعت إيدها وقالت "كنت عارفة إن حسن مش قد شيلة البنت لوحده"، وواحد تاني برطم "يا ضنايا، أبوها رماها وخلع".. مريم جزت على سنانها وشالت سلمى اللي فجأة غابت عن الوعي بين إيدها.. مريم زعقت في اللاسلكي "يا غرف العمليات، طفلة فاقدة الوعي، حالة جفاف شديدة، واسمعوا كويس، الموضوع مش هروب ولا رمي ضنا، فيه سر هنا".

​الإسعاف طارت بالبنت وسط المطر، والجيران كانوا بدأوا يرفعوا فيديوهات على فيسبوك "أب معندوش ضمير يرمي بنته المريضة"، "وحش بشري ساب بنته تموت من الجوع"، الكل عمل قاضي والكل اختار المتهم، ومحدش كان عارف الحقيقة المرة.

​الحقيقة الصادمة في المشرحة

​تاني يوم الصبح، مريم كانت واقفة قدام باب المشرحة في زينهم، عينيها منمتش لحظة، وماسكة في إيدها كيس بلاستيك فيه متعلقات "مجهول" لسه واصل من المستشفى. الدكتور طلع ووشه باهت، قلع الجوانتي وقال بصوت واطي: "هبوط حاد في الدورة الدموية ناتج عن إرهاق شديد وأنيميا حادة.. الراجل ده كان بيجري

في سباق مع الموت وخسر في آخر متر".

​مريم فتحت الكيس، لقت محفظة جلد مقشرة مفيهاش ولا مليم، وكارنيه شغل في شركة أمن بمرتب ميكملش تمن علبة الدوا اللي كانت سلمى محتاجاها، بس اللي كسر قلبها بجد كانت فاتورة من صيدلية بعيدة، تاريخها نفس ليلة اختفاء حسن، ومكتوب فيها "دوا قلب" ومدفوعة بالكامل.

​رجعت مريم للشارع، لقت الناس لسه بتشتم، أم هاني كانت بتحكي لواحد بيصور فيديو لايف: "أهو ده اللي اسمه حسن، ساب بنته تذبل وراح يشوف حياته، الرجولة ماتت يا أستاذ". مريم زعقت بصوت زلزل الحارة: "الحق اللي بتدوروا عليه مش في فيديوهاتكم! حسن مرماش بنته، حسن مات وهو شايل شنطة الأكل والدوا وراجع لها، مات من الجوع والتعب عشان يوفر تمن حقنة بنته، وقع في آخر الشارع ومحدش فكر يشيله أو يسعفه عشان كان لابس هدوم مقطعة ومرمي جنب الزبالة، فضلتوا تتفرجوا عليه وهو بيموت وتتخانقوا مين يصور الأول!".

​السباق مع الزمن لإنقاذ سلمى

​السكوت نزل على الحارة كأنه كفن، وأم هاني الموبايل وقع منها. مريم راحت المستشفى، سلمى فاقت وسألت بلهفة: "بابا جاب الدوا؟ هو قالي نص ساعة وراجع.. هو زمانه جاي صح؟". في اللحظة دي دخل ممرض شايل كيس أسود لقتهم الشرطة في إيد حسن وهو ميت، جواه علبة الدوا، ولفة كفتة صغيرة، وورقة مكتوب عليها: "متزعليش يا سلمى إني اتأخرت، والله غصب عني، كلي دي وأنا هنام شوية جنبك لما آجي".

​الصدمة كانت في ضهر الورقة؛ إيصال أمانة حسن مضى عليه لبياع عشان يبيع "دبلته" ودبلة مراته، وسطر صغير بيقول: "لو مصلحتش الجهاز النهاردة، البنت مش هتعيش

للصبح".

​حسن كان شغال تلات ورديات عشان يجمع تمن بطارية منظم ضربات القلب اللي في صدر سلمى، البطارية كانت بتخلص وكان لازم تتغير. فجأة حالة سلمى تدهورت، والدكتور صرخ: "لازم الجهاز يتغير فوراً، وإلا سلمى هتحصل أبوها في أقل من ساعة".

​المعجزة واللحظات الأخيرة

​الناس في الحارة بدأوا يتحركوا، والشباب ركبوا الموتوسيكلات يدوروا على أي حاجة وقعت من حسن. وفجأة تليفون مريم رن، سواق توكتوك قال لها مرعوب: "أنا لقيت معاه علبة مقفولة وشلتها عندي فكرتها دهب.. أنا خايف أجي أسلمها لتسجنوني".

​بينما كان قلب سلمى بيقف والدكتور بيستخدم الصدمات الكهربائية، فرملة موتوسيكل هزت المستشفى، السواق دخل يجرى بالعلبة؛ كانت البطارية الجديدة. الدكتور أخدها بلهفة، وبعد ساعة خرج وقال بصوت مهزوز: "سلمى رجعت.. النبض استقر.. البنت دي قلبها لسه متمسك بالحياة عشان خاطر أبوها".

​النهاية والوصية الأخيرة

​مريم لقت في جيب حسن ورقة تانية متبهدلة بالدم، كتب فيها: "لو مت يا مريم، قولي لسلمى إني مسبتهاش، قولي لها إني فضلت أجري لحد ما نفسي انقطع عشان أفضل سامع دقات قلبها.. وصيتي إن الجهاز ده يفضل شغال، عشان طول ما قلبها بيدق، أنا لسه موجود".

​مريم قررت تتبنى سلمى، والحارة عملوا لحسن جنازة مهيبة. سلمى كبرت وبقت دكتورة قلب، وكل ما يجيلها طفل محتاج عملية كانت تلمس صدرها وتقول: "متقلقش، بابايا باعتلك الهدية دي".

​السر الأخير اللي مريم عرفته بعد سنين وهي بتفرز ورق حسن القديم، إن حسن مكنش مريض، حسن اتبرع بـ "فص كبده" قبل سنتين عشان يجمع أول دفعة

من تمن عملية بنته.. الراجل ده حرفياً وزع جسمه عشان بنته تعيش كاملة.

تم نسخ الرابط