حبسو بنتي في العربية
ريحة المستشفى المعقمة كانت خانقة بشكل يخوف. لُمى كانت باينة صغيرة أوي على سرير المستشفى الكبير، شفايفها مشققة وجلدها محمرّ بشكل مرعب. أخيرًا نامت، وإيديها الصغيرة ماسكة دباديب جابوهالها الممرضات. أول ما شافتني ماعيطتش… بس همست بصوت مكسور:
"يا ماما… ليه محدش سمعني؟"
الجملة دي كسرت جوايا حاجة عمري ما هعرف أصلحها.
كنت قاعدة على الكرسي البلاستيك جنب سريرها، لما أمي وأبويا دخلوا الأوضة فجأة. ماقربوش من لُمى، ولا حتى سألوا على حالتها. أمي، سهام، مسكت دراعي بعصبية وعينيها مليانة توتر وأنانية.
"ندى، الحمد لله إنك هنا"، قالت بصوت واطي كأنها هي الضحية. "لسه مكلمين ياسمين، البنت منهارة… لازم تلحقي الموضوع."
بصيتلها مذهولة.
"ألحق إيه يا ماما؟! لُمى كانت بتموت! حرارتها وصلت لأربعين ونص! إنتوا مستوعبين اللي عملتوه؟!"
أبويا، محمود، اتقدم وهو ضامم دراعاته:
"يا بنتي إحنا سبناها شوية صغيرين بس. كنا فاكرين الإزاز مفتوح سنة. غلطة وخلاص. لكن الشرطة بدأت تسأل، وياسمين مرعوبة. البنت تعبت جدًا عشان تتعين في المدرسة، ولو اتمسكت في قضية تعريض طفل للخطر مستقبلها هيضيع."
قلت بصوت بيرتعش من الغضب:
"وهي تستاهل. كلكم تستاهلوا تتحاسبوا."
وش أمي اتقلب في ثانية من خوف لبرود أعرفه كويس. نفس النظرة اللي كانت بتبصهالي وأنا صغيرة. لما ياسمين تكسر حاجة، كنت أنا اللي أتحمل الغلط عشان هي ماتعيطش. لما تسقط
أمي قربت مني وهمست:
"ما تبقيش حقودة يا ندى. إحنا اتفقنا… لما الظابط ييجي، هتقولي إنك إنتِ اللي سيبتيها في العربية. هتقولي إنك نزلتي دقيقة واتلهيتي. إنتِ شغلك حر، مالكيش مستقبل يضيع زي ياسمين. دي أول مرة، مجرد غرامة وخلاص وإحنا هندفعها."
حسّيت بغثيان.
"إنتوا عايزني آخد قضية عشان ناس كانوا هيقتلوا بنتي؟!"
أبويا زعق:
"إحنا أهلك! وقفنا جنبك وساعدناكي وقت الزنقة! إنتِ مدينة لينا! ولو رفضتي… تبقي مش بنتنا. هنقطع علاقتنا بيكي، وهنقول للناس كلها إنك واحدة حاقدة وخرابة بيوت."
الابتزاز كان واضح لدرجة حسّيته ملموس.
وفجأة تليفوني اهتز. إشعار من إنستجرام. ياسمين كانت ناسية تمنعني من ستوري الـ"كلوز فريندز".
فتحتها… صورة كاسات موهيتو على ترابيزة شيك، ومنشورة من أقل من ساعة… يعني بعد ما سابوا لُمى في العربية بوقت طويل.
الكابشن كان:
"أخيرًا شوية هدوء وراحة! حد كان عامل دوشة فاضطرينا نسيب الـ(شنطة) ورا 😂🍹"
وقتها فهمت الحقيقة.
هما ما نسيوهاش.
ماكانش خطأ.
هما كانوا بيتريقوا عليها وهي بتموت.
بصيت لأمي اللي كانت مستنية مني أوافق وأضحي بنفسي للمرة المليون.
قلت بهدوء مرعب:
"هتكلم مع الظابط."
أمي تنهدت براحة ومدت إيديها تلمسني:
"كده يا حبيبتي… العيلة أهم حاجة."
خرجوا من الأوضة يطبطبوا
طلعت موبايلي وبدأت أسجل كل الستوريهات والبوسطات اللي ياسمين نزلتها اليوم ده. وبعدها فتحت جروب العيلة… ولقيت رسالة من أبويا:
"البنت هديت خلاص. يلا ندخل الكافيه قبل ما يزحم. ياسمين تستاهل اليوم ده."
الخيانة كلها كانت متسجلة.
كانوا فاكريني لسه نفس البنت الصغيرة اللي بتاخد الذنب بدل أختها. ماكانوش يعرفوا إن البنت دي ماتت أول ما شافت بنتها مرمية على سرير مستشفى.
بعد عشرين دقيقة، دخل ظابط اسمه الرائد شريف. راجل ملامحه تعبانة وعينيه فيها جدية تقيلة. بص للُمى للحظة، وبعدها بصلي وهو ماسك نوتة.
"يا مدام ندى، محتاجين أقوال رسمية. أختك ووالدك ووالدتك بره… وقالوا رواية معينة. هتأكدي كلامهم؟"
كان بيديني فرصة أهرب.
بصيت ناحية الباب، وشايفة ضل أمي من ورا الإزاز… مستنية أكذب عشانهم آخر مرة.
قلت بثبات:
"لا يا فندم. أنا هقول الحقيقة كلها… ومعايا دليل."
اديته موبايلي. وريته الستوريهات وتوقيتها، والرسائل اللي كانوا بيهزروا فيها على إنهم سايبين "الشنطة" في العربية. حكيتله عن المكالمة اللي ياسمين اعترفت فيها إنهم سابوا لُمى عشان "بوظت الجو".
وش الرائد شريف حجر وهو بيقرأ.
قال:
"ده مش إهمال بس… ده تعمد واستهتار بحياة طفلة."
قلت:
"اعمل اللي لازم يتعمل."
خرج الظابط، وخرجت وراه. أمي أول ما شافته ابتسمت، فاكرة إني نفذت اللي طلبوه. لكن بعدها بثواني
المشهد كان فوضى.
ياسمين بدأت تصرخ بصوت حاد:
"إنتِ عملتي إيه يا ندى؟! ضيعتي مستقبلي!"
أبويا حاول يمنع العساكر، لكن ثبتوه على الحيطة.
والضابط قال بصوت رسمي:
"سهام محمود، محمود عبدالعزيز، وياسمين محمود… أنتم مقبوض عليكم بتهمة تعريض طفلة للخطر والتستر ومحاولة تضليل العدالة."
أمي بصتلي بنظرة كلها كراهية:
"إنتِ بالنسبة لينا ميتة!"
بصيت ناحية أوضة بنتي وهمست:
"معايا بنتي… وده كل اللي محتاجاه."
الشهور اللي بعد كده كانت مليانة قضايا ومحاكم. بعت شقتي، ونقلت لمحافظة تانية، وغيرت رقمي وقفلت كل حساباتي. بطلت أبعت فلوس لأهلي كل شهر، ومع الوقت اضطروا يبيعوا شقتهم عشان مصاريف القضايا.
ياسمين عملت تصالح عشان ماتدخلش السجن، لكن اتحرم عليها تشتغل مع أطفال أو تدرّس لمدة خمس سنين، واتسجل اسمها في قضايا الإساءة للأطفال. حياتها المثالية اتدمرت بسبب غرورها.
أما أهلي، فأخدوا غرامات كبيرة ومراقبة قانونية، لكن العقاب الحقيقي كان نظرة الناس ليهم بعد ما الخبر انتشر.
أما أنا…
فبعد ست شهور، كنت قاعدة في جنينة بيتنا الجديد الصبح، بشرب شاي مثلج، ولُمى بتلعب في حمام سباحة صغير وهي بتضحك من قلبها.
بصتلي بخدودها الحمرا وقالت:
"ماما بصّي! فراشة!"
ما بقتش تخاف من الحر.
ما بقتش تصحى مفزوعة من كوابيس العربية.
كانت عارفة، بيقين طفلة متحبة بجد، إن أمها عمرها ما هتسمح لحد يأذيها تاني…
وقتها بس حسّيت براحة ماعرفتهاش طول عمري.
البنت القوية أخيرًا بطلت تشيل حمل الكل.
وأخيرًا…
بقيت حرة.