خيانة أقرب حد ليك

لمحة نيوز

فتحت "مديحة" الباب وطلعت مفاتيحها من الشنطة بنفس الهدوء اللي نزلت بيه من العربية، وكأنها مرجعتش من المطار في تاكسي مستعجل عشان تسبقني. شفتها في الكاميرا وهي بتقلع الجاكيت، وبدل ما تطلع أوضتها، نزلت المطبخ.
كانت بتتحرك بآلية غريبة، طلعت "كيس" صغير من جيبها وفضت بودرة بيضاء في "الكنكة" اللي دايماً بشرب فيها قهوة الصبح أول ما برجع من المطر. قلبي كان بيدق لدرجة إن ليلى حطت إيدها على كتفي وهي بتترعش وسألتني: "هي بتعمل إيه يا جدو؟"
مردتش. فضلت مراقب الشاشة. مديحة خلصت، غسلت إيدها، وطلعت وقفت في نص الصالة، وبصت للساعة. وفجأة، موبايلي رن في إيدي. كان اسمها هو اللي منور الشاشة. فتحت الخط وأنا بحاول أهدي نفسي.
"أيوة يا مديحة؟"
صوتها جالي ناعم وهادي: "وصلت البيت يا حبيبي؟ وحشتني من دلوقتي."
بصيت في الكاميرا، كانت واقفة بتضحك وهي بتتكلم، وعينيها جت في "العدسة" المخفية اللي في ركن الصالة وكأنها عارفة إني بتفرج.
قلت لها بصوت مخنوق: "أنا قدام الباب يا مديحة، داخل حالاً."
شفتها في الشاشة وهي بتقفل السكة، وبسرعة خرافية استخبت ورا الستارة الكبيرة اللي في الصالة، وماسكة في إيدها "فازة" نحاس تقيلة كانت دايماً بتقول إنها "أنتيكة" غالية. ليلى صرخت بصوت مكتوم: "يا جدو ماترروحش! هتموتك!"
دورت العربية ببرود مرعب. مكنتش خايف، كنت ميت فعلاً من جوايا. رحت البيت، ركنت العربية في الجراج، ونزلت ليلى وقلت لها: "استني هنا، لو مخرجتش في خمس دقائق، اطلبي البوليس.

"
دخلت البيت. الريحة كانت هادية، ريحة بخور هي بتحبه. مشيت في الطرقة لحد الصالة، كنت سامع صوت نفسها ورا الستارة. وقفت في نص الأوضة وقلت بصوت عالي: "القهوة ريحتها حلوة يا مديحة، بس إنتي نسيتي إنك قلتيلي أسقي الورد.. والورد ده في البلكونة اللي ورا الستارة دي بالظبط."
الستارة اتحركت. مديحة خرجت، بس مكنتش ماسكة الفازة عشان تضربني. كانت بتعيط. وقعت على الأرض وهي بتنهار: "الحقني يا عادل.. هما اللي أجبروني.. قالوا لي لو مخلصتش منك النهاردة هياخدوا ليلى."
وقفت مكاني مذهول. "هما مين؟"
قبل ما تنطق، سمعت صوت حركة ورايا. لفيت بسرعة، لقيت "ليلى" واقفة عند الباب، بس مكنتش بتعيط. كانت ماسكة الموبايل وبتبتسم ببرود لا يمكن يطلع من طفلة عندها ١٢ سنة.
ليلى قالت بهدوء يجمّد الدم: "تيتة دايمًا بوّاظة.. كان لازم تخلصي منه من سكات عشان نأخد ورث بابا اللي هو ضيعه في البورصة."
بصيت لليلى بصدمة: "ليلى؟ إنتي بتقولي إيه؟"
ليلى قربت مني، وطلعت جهاز صغير من جيبها، نفس الجهاز اللي مديحة كانت بتتكلم عنه في التليفون. وقالت: "يا جدو.. أنا اللي سجلت لتيتة وهي بتخطط عشان أهددها بيك، وأنا اللي قلتلك إنها في البيت عشان تيجوا وتواجهوا بعض.. والبوليس زمانه على الباب دلوقتي بعد ما بعتت ليهم لوكيشن البيت وبلغت إن فيه حالة قتل."
في اللحظة دي، سمعت صوت سارينة البوليس بتقرب. مديحة بصتلي برعب، وليلى غمزتلي وقالت: "حقك عليا يا جدو.. الأسامي فعلًا مصرية، بس القلوب مفيهاش ريحة
الرحمة. إنت ومديحة لازم تختفوا عشان أنا أعيش.. زي ما بابا اختفى بالظبط."
فهمت وقتها إن ليلى هي اللي قتلت أبوها—ابني—من سنة، وإنها كانت بترتب للتخلص مننا إحنا الاتنين عشان "التركة" تفضى لها وهي لسه قاصر، والوصي عليها يكون "خالها" اللي هو شريكها في كل ده.
الباب اتكسر، والعساكر دخلوا. ليلى ارتمت في حضن أول ظابط وهي بتصرخ وتمثل ببراعة: "الحقوني! جدو كان عايز يقتل تيتة بالسم في القهوة!"
بصيت لمديحة، لقيتها بتبص للأرض باستسلام. وبصيت لليلى، اللي كانت بتبصلي من ورا كتف الظابط.. وطلعت لسانها ليّ بابتسامة نصر مرعبة.
الظابط بص لليلى بذهول، وكأنه مش مصدق إن دي طفلة عندها 12 سنة. شاور للعساكر: "هاتوها.. وهاتوا الست دي كمان للتحقيق."

​وهما بيسحبوها بره، ليلى لفت وشها ليّ، الملامح الطفولية اختفت تماماً، وعينيها بقت باردة زي الثلج. وقفت مكانها وقالت للظابط بكل ثبات: "يا حضرة الظابط.. هو جدو ورّاك الفيديو اللي أنا بتكلم فيه مع خالي شريف؟"

​الظابط هز راسه أيوة.

​ليلى ابتسمت ابتسامة صفراء وقالت: "طيب ما سألتش نفسك يا جدو.. أنا ليه كنت بتكلم بوضوح كدا قدام العروسة بتاعتي وأنا عارفة إنك مركب فيها كاميرا من أسبوع؟"

​نفسي انقطع تاني. ليلى كملت وهي بتبص لي بانتصار:

"أنا اللي خليتك تراقبني يا جدو.. وأنا اللي خليت تيتة ترجع من المطار. الفيديو اللي إنت شفته ده كان 'فخ' ليك إنت.. عشان تفتكر إنك كشفتني وتطلع كل الأدلة اللي معاك دلوقتي قدام الظابط

وتخلصنا من لسانك."

​الظابط استغرب: "يعني إيه يا بنتي؟"

​ليلى بصت للظابط وقالت: "يا فندم، جدو هو اللي قتل بابا.. ابنه.. عشان يورث شركة المقاولات لوحده قبل ما بابا يعلن إفلاسه. والورقة اللي بيقول إنها من معمل خاص دي 'مزورة' ومطبوعة في مكتبه، والسم اللي في القهوة.. جدو هو اللي حطه ولما لقى تيتة كشفته، قرر يلبسنا إحنا الاتنين القضية ويطلع هو الضحية العجوز اللي حفيدته خانته."

​بصيت لها بذهول، لساني عجز عن النطق. ليلى طلعت من جيبها "فلاشة" صغيرة وقالت: "دي تسجيلات حقيقية يا حضرة الظابط.. لجدو وهو بيتفق مع المحامي بتاعه إزاي يلفق التهمة لتيتة مديحة ويحطني في دار رعاية عشان يخلص مننا ومن طلباتنا."

​في اللحظة دي، مديحة بصت لي بنظرة غريبة.. نظرة واحدة خلتني أفهم كل حاجة. مديحة مكنتش ضحية، ومديحة مكنتش بتحاول تنقذني. مديحة وليلى كانوا "فريق واحد" من البداية.

​ليلى ميلت على ودني قبل ما العسكري يسحبها وقالت لي بهمس مسموع:

"تؤ تؤ يا جدو.. مكنتش تعرف إن تيتة مديحة هي اللي علمتني إزاي ألعب بيك؟ إحنا محتاجين الفلوس، وإنت عشت كتير قوي.. واللعبة دي أكبر منك بكتير."

​الظابط بص للورق اللي في إيده، وبعدين بص لي وقال بلهجة حازمة: "اتفضل معانا يا أستاذ عادل.. التحقيق لسه في أوله."

​خرجت من البيت مكلبش، وأنا شايف مديحة وليلى واقفين في البلكونة، بيسقوا الورد اللي مديحة وصتني عليه.. والاتنين بيشاوروا لي بإيديهم بابتسامة وداع باردة. البيت

اللي بنيته طول عمري، اتقفل بابه عليّ وأنا بره.. مش جوه.

تم نسخ الرابط