إيقاع لم يسمعه أحد

لمحة نيوز

الراجل قام من مكانه بسرعة، لدرجة إن الكرسي اتحرك وطلع صوت خلى كل اللي في الكافيه يلفوا ناحيته.

الحارسين قربوا تلقائي، لكن هو رفع إيده بمنعهم.

عينه كانت ثابتة على العربيتين اللي وقفوا قدام المحل.

الولد حس إن في حاجة اتغيرت، فبطل ضحك وبص لأبوه باستغراب.

نور لاحظت إن وش الراجل بقى شاحب بطريقة غريبة، كأن الدم انسحب منه فجأة.

قال بصوت منخفض لكن حاد:
— "خدوه واطلعوا من الباب الخلفي."

الحراس اتحركوا فورًا ناحية الولد.

لكن الولد مسك إيد نور بقوة، ورفض يتحرك.

كانت أول مرة يبان عليه خوف حقيقي.

نور نزلت لمستواه وقالت له بلغة الإشارة:
"مفيش حاجة.. روح مع بابا."

الولد هز راسه بعنف، ودموعه بدأت تتجمع في عينه.

في اللحظة دي باب الكافيه اتفتح بعنف.

دخل راجل كبير في السن، شعره أبيض لكن جسمه ضخم، ومعاه اتنين.

الجو كله اتكهرب.

صاحب الكافيه دخل جوه المطبخ كأنه اختفى.

الزباين بدأت تقوم بهدوء وتخرج من غير كلام.

الراجل العجوز وقف في نص المكان، بص للراجل اللي معاه الطفل وقال بابتسامة باردة:
— "بقالك سنين بتستخبى يا ياسين."

نور جمدت مكانها.

يبقى اسمه ياسين.

وياسين وقف ثابت، لكن ملامحه كانت كلها غضب مكبوت.

— "أنا قلتلك خلصنا."

العجوز ضحك ضحكة قصيرة.
— "مفيش حاجة بتخلص لما يكون في دم."

نور قلبها دق بسرعة.

الكلام بقى أخطر من إنها تفهمه.

ياسين قرب خطوة لقدام.
— "إنت مالكش دعوة بابني."

العجوز بص للطفل نظرة طويلة، وقال:
— "بالعكس... ده كل اللي ليا."

الصمت اللي حصل

بعدها كان تقيل بشكل خانق.

نور بصت بين الاتنين بعدم فهم.

ياسين قبض على إيده لدرجة إن عروقه ظهرت.

قال من بين سنانه:
— "ماتجيبش سيرتها."

العجوز رد ببرود:
— "لو بنتي كانت عايشة، مكنتش هتسيب حفيدي يتربى بعيد عني."

الجملة نزلت على المكان كله كالصاعقة.

نور حست برجليها بتضعف.

بصت للولد، ثم لياسين.

فهمت فجأة.

الطفل ده مش بس ابنه.

ده آخر حاجة فاضلة من أم ماتت.

الولد بدأ يتوتر من الأصوات والحركة، وحط إيديه على ودنه رغم إنه مش سامع.

نور جريت له فورًا، ونزلت قدامه.

أشارت بسرعة:
"بصلي."

الولد بص لها، أنفاسه سريعة.

نور بدأت تضغط بإيديها على الترابيزة بإيقاع ثابت.

واحد... اتنين... تلاتة.

ثم أشارت له يقلدها.

بدأ يهدى تدريجيًا.

العجوز كان بيتابع المشهد، وعينه اتحولت من القسوة لشيء أقرب للحزن.

قال بهدوء:
— "اسمها كان ليلى."

ياسين سكت.

العجوز كمل:
— "بنتي كانت بتحب تعلّم لغة الإشارة. قالتلي مرة إنها لو جابت طفل أصم، هتعلمه يحس بالعالم بطريقته."

ياسين لأول مرة باين عليه الانكسار.

قعد على الكرسي كأنه فقد طاقته كلها.

مرر إيده على وشه وقال:
— "ماتت وهي بتولده."

نور شهقت بخفوت.

العجوز غمض عينه كأنه بيتلقى الخبر لأول مرة رغم إنه يعرفه.

— "قالولي إنها ماتت في المستشفى قبل ما أوصل."

ياسين رفع عينه له أخيرًا.
— "وأنا سمعتك بتقول إنها غلطت لما اختارتني."

العجوز اتجمد.

واضح إنه افتكر الجملة.

افتكر إنه قالها فعلًا.

بصوت مكسور لأول مرة، قال:
— "كنت بقولها من

وجعي... مش كرهي."

لكن الكلام بعد فوات الأوان بيبقى أرخص من اللازم.

ياسين ضحك ضحكة بلا روح.
— "متأخر."

نور كانت شايفة المشهد كله كأنه بيتفكك قدامها.

راجل عاش عمره مستخبي، شايل طفل لوحده، ومتعلمش حتى لغة ابنه لأنه غرقان في ذنب قديم.

وجد كبير خسر بنته، وخسر حفيده بعدها.

وطفل في النص، بيدفع تمن أخطاء ناس أكبر منه.

الولد شد كم نور.

أشارت له:
"عايز إيه؟"

رد بإشارة صغيرة مترددة:
"زعلانين ليه؟"

السؤال كان بسيط... لكنه كسر كل شيء.

ياسين غمض عينه بقوة.

والعجوز لف وشه بعيد.

نور بلعت ريقها، ثم أشارت للولد:
"الكبار أحيانًا بيبوظوا حاجات مهمة... وبياخدوا وقت طويل عشان يصلحوها."

الولد فكر قليلًا.

ثم سحب يده الصغيرة من نور، ومشى ناحية جده.

الكل اتجمد.

وقف قدامه، رفع إيده المرتعشة، ولمس كف الرجل العجوز.

العجوز بص له بصدمة.

الولد حط كف جده على جنب جهاز الأغاني اللي لسه شغال.

الباص كان لسه بيهز الخشب.

العجوز حس بالذبذبة.

بص للولد، والولد ابتسم له.

ابتسامة صغيرة، متسامحة بشكل مستحيل.

العجوز انهار.

راجل ضخم، مخيف، واضح إنه عمره ما بكى قدام حد...

انهار وبكى.

مش بصوت عالي.

بس دموع نزلت بصمت وهو ماسك إيد حفيده.

ياسين كان واقف بعيد، متجمد، كأنه مش عارف يدخل اللحظة ولا يهرب منها.

نور قربت منه وقالت بهدوء:
— "ابنك مش محتاج تحميه من العالم طول الوقت... أحيانًا هو اللي بينقذ الناس."

ياسين بص لابنه.

لأول مرة، ملامحه ارتخت.

مشى ناحيتهم ببطء.

العجوز رفع عينه

له.

ثواني طويلة عدت.

ثم ياسين مد إيده.

مش مصافحة كاملة.

بس بداية.

العجوز مسكها فورًا.

مشهد بسيط، لكنه كان أصعب من ألف معركة.

بعد ساعة، الكافيه بقى شبه فاضي.

المطر خف.

الولد كان نايم على كتف أبوه، وبين إيده لعبة صغيرة ونص قطعة بسبوسة.

قبل ما يمشوا، ياسين وقف قدام نور.

طلع كارت من جيبه وحطه على الترابيزة.

— "أنا مدين لك."

نور دفعت الكارت ناحيته.
— "مش عايزة حاجة."

بص لها للحظة طويلة.

ثم قال:
— "ابني أول مرة يضحك بالشكل ده من بعد ما اتولد."

سكت لحظة، ثم كمل:
— "أنا حتى مش عارف أشكرك."

نور ابتسمت ابتسامة خفيفة.
— "اتعلم لغته."

الجملة كانت أبسط طلب... وأثقلهم.

ياسين هز رأسه.

بص لابنه النائم، ولمس شعره بحنان واضح.

— "هبدأ من النهارده."

خرجوا أخيرًا.

العجوز في عربية، وياسين وابنه في عربية تانية.

لكن المرة دي، العربيتين خرجوا ورا بعض.

مش ضد بعض.

نور فضلت واقفة تبص من الإزاز لحد ما اختفوا.

رجعت ترتب المجات الفاضية، لكن قلبها كان دافي بشكل غريب.

صاحب الكافيه خرج من المطبخ وقال:
— "إنتِ مجنونة... تعرفي مين ده أصلًا؟"

نور رفعت كتفها وهي بتمسح الترابيزة.
— "لأ."

الرجل هز راسه بدهشة.
— "ده ياسين الدمنهوري... الراجل اللي نص البلد بتخاف تنطق اسمه."

نور بصت للباب الفاضي وقالت بهدوء:
— "أنا معرفتش غير إنه أب تايه."

في الليلة دي، نور رجعت بيتها متأخرة كعادتها.

فتحت باب الشقة الصغيرة، دخلت أوضتها، وطلعت صورة قديمة لأختها ملك.

حطتها قدامها، وابتسمت.

— "أظن النهارده عملت حاجة كنتِ هتحبيها."

وفي صباح اليوم اللي بعده، أول ما وصلت الشغل...

لقت صندوق صغير مستنيها على الترابيزة.

فتحته.

كان جواه كتاب جديد لتعليم لغة الإشارة، وورقة قصيرة جدًا مكتوب فيها:

"عشان تعلّمي طفل تاني باب جديد.
— ياسين"

نور ضحكت.

وبعدين لأول مرة من شهور...

بكت.

تم نسخ الرابط