العشاء الاخير مع امي

لمحة نيوز

العنوان: العشاء الأخير مع أمي

كان المساء يهبط على المدينة ببطء حين عاد "إياد" من عمله منهكًا بعد يوم طويل. جلس إلى المائدة صامتًا، بينما زوجته "ليلى" تراقبه بعينين تحملان شيئًا من الحنان والقلق. بدا عليه التعب والشرود، كأنه يعيش في عالم آخر. وبعد لحظة صمت، قالت ليلى بصوتٍ هادئ:
ــ إياد، متى كانت آخر مرة جلستَ فيها مع أمك دون عجلة أو انشغال؟
رفع رأسه إليها مستغربًا، وقال:
ــ قبل أسابيع قليلة... أو ربما أكثر، لا أذكر بالضبط.
ــ وهل يليق بابن مثلك، تُكرّس وقتك للعمل وتنسى امرأة أفنت عمرها لأجلك؟
خفض رأسه بصمت، ثم أضافت ليلى بابتسامة خفيفة:
ــ لماذا لا تأخذها إلى العشاء غدًا؟ اخرج معها وحدكما، كما كنت تفعل وأناخِرُصَ من بعيد أرى السعادة في وجهك.

تأمل كلماتها طويلاً، شعر كأنها صفعة لطيفة أيقظته من غفلته. كانت زوجته محقة، فمنذ وفاة والده قبل تسعة عشر عامًا، وأمه تعيش وحيدة، تزورها ذكرياته بين حينٍ وآخر أكثر مما يزورها ابنها الوحيد.

وفي مساء اليوم التالي، أمسك بهاتفه وتردد قليلاً قبل أن يضغط على الرقم المحفور في ذاكرته. جاء صوتها الرقيق من الجهة الأخرى:
ــ ألو؟ إياد؟
ــ نعم يا أمي، كيف حالك؟
ــ بخير يا ولدي، أهناك أمر؟
ــ لا شيء يا أمي... فقط أريد أن أدعوكِ إلى العشاء الليلة.


ساد صمت قصير، ثم جاء صوتها الممزوج بالدهشة والفرح:
ــ نحن فقط؟
ــ نعم يا أمي، أنا وأنت فقط.
ضحكت بخفة وقالت:
ــ كم تمنيتُ ذلك يا بني، كم تمنيت.

حين وصل إلى بيتها، وجدها تقف عند الباب بملابس أنيقة تفوح منها رائحة الماضي. كانت ترتدي فستانًا زهريّ اللون، عرفه إياد جيدًا، فقد اشتراه لها والده قبل رحيله بسنوات. عانقته عناقًا دافئًا جعل قلبه يلين كطفل بين ذراعيها. قالت والابتسامة لا تفارق شفتيها:
ــ أخبرت الجيران أنني اليوم سأخرج مع ابني، كأنني ذاهبة في عيد.
ضحك وقال:
ــ تستحقين كل الأعياد يا أمي.

انطلقا بسيارته نحو مطعم هادئ في أطراف المدينة، تحيطه الأشجار وتزينه أضواء خافتة تلامس القلب بسكونها. كانت أمه تتأمل الطريق بعينين دامعتين من الفرح، كأنها تستعيد رحلة عمرٍ مضى. أمسك بيدها وسألها:
ــ أماه، أتذكرين حين كنتِ تصطحبيني إلى السوق وأنا صغير؟
ــ كيف أنسى يا ولدي؟ كنتَ تمسك بيدي بشدة خوفًا من أن تضيع بين الناس. والآن انقلب الأمر، أنا من أمسك بذراعك خشية أن تتركني وسط هذا الزحام.

ضحكا معًا، وفي المطعم جلسا متقابلين على مائدة صغيرة مضاءة بشمعة. ناولها قائمة الطعام، لكنها أرجعتها وهي تضحك:
ــ هذه الحروف صارت صغيرة عليّ يا إياد، اقرأها أنت.
أخذ القائمة وبدأ يقرأ لها الأطباق

واحدًا تلو الآخر بصوتٍ واضح. كانت تنظر إليه طويلاً، وكأنها ترى في ملامحه بقايا الطفل الذي كان يسكن قلبها. قالت بعد لحظة:
ــ كنتُ أنا من أقرأ لك القصص قبل النوم، والآن جاء دورك لتقرأ لي.
أجابها والدمعة تحاصر عينيه:
ــ كل ما أنا عليه اليوم بفضلك يا أمي، أنا أقرأ لأنكِ علمتني، وأعيش لأنكِ سهرتِ عليّ.

تناولا الطعام وهما يتبادلان الأحاديث القديمة. تحدثت عن والده الراحل، عن السنوات الصعبة التي واجهتها بعد وفاته، عن خوفها حين مرض، وعن الفرح الذي كانت تجده في ضحكة حفيديه. كان إياد يستمع إليها مأخوذًا بصوتها الهادئ الذي يحمل دفء الأمومة كلها.

امتد الحديث حتى تجاوز منتصف الليل، ونسيا الوقت تمامًا. وعندما أوصلها إلى بيتها، قالت له وهي تمسك بيده:
ــ أريد أن أخرج معك مرة أخرى، لكن هذه المرة على حسابي.
ضحك وقال:
ــ أمي، أنتِ لا تدفعين شيئًا وأنا حي.
ــ سأدفع ولو سرًا.
قبّل يدها وقال:
ــ كما تشائين يا أماه، المهم أن تبقي معي.
ودّعها وهو لا يدري أن تلك الليلة ستكون آخر لقاء بينهما.

بعد أيام قليلة، جاءه اتصال مبكر من أحد الجيران. كان الصوت مضطربًا يقول:
ــ إياد، تعال بسرعة، أمك مريضة جدًا.
ألقى كل شيء وركض بسيارته كالمجنون، لكنه حين وصل، كانت أمه قد فارقت الحياة بنوبةٍ قلبية مباغتة.

جلس إلى جوارها يبكي كما لم يبكِ يومًا. لمس يديها الباردتين، وقال بصوتٍ متحشرج:
ــ وعدتني أن نخرج مرة أخرى يا أمي، كيف تخلفين وعدك؟

مرّت الأيام ثقيلة كأنها لا تريد أن تمضي، وفي أحد الصباحات، تلقى ظرفًا أنيقًا من المطعم الذي تناولا فيه العشاء. فتحه بارتباك، فوجد فيه ملاحظة صغيرة بخط أمه:

> بني العزيز، لقد دفعت ثمن العشاء القادم مقدمًا لأنني أعلم أنني لن أكون معك حينها.
دفعت لعشاءٍ لشخصين: لك ولزوجتك.
أردت أن تكرمها كما أكرمتني تلك الليلة، فقد كانت أجمل ليلة عشتها في حياتي.
أحبك يا ولدي.

لم يتمالك إياد نفسه، انفجر بالبكاء حتى بلّ الورقة بدموعه. شعر في تلك اللحظة أنه لم يكن مجرد عشاءٍ عابر، بل وداعًا مؤجلًا بلغة الحب الصامت.

ومنذ ذلك اليوم، صار يزور قبرها كل أسبوع، يحمل باقة زهور ويجلس يحدثها كأنها ما زالت حية، يخبرها عن أولاده وعن حياته، وعن زوجته التي كانت سببًا في أن يقضي معها تلك الليلة التي لم تُمحَ من ذاكرته ما عاش.

كان يردد دائمًا وهو يغادر المقبرة:
ــ سامحيني يا أمي إن قصّرت يومًا، فلولاكِ ما كنتُ شيئًا. رحمك الله كما رحمتني صغيرًا.

يا قارئي الكريم، إن كانت أمك ما تزال على قيد الحياة، فلا تنتظر الغد لتزورها، ولا تجعل الأيام تسلبك لحظاتٍ لا تُشترى. كن لها

كما كانت لك، فالأم حين ترحل، لا يرحل شخص، بل يرحل وطن كامل من الحنان.

تم نسخ الرابط