في ليلة باردة
في ليلة بيضاء من ليالي الشتاء كان الثلج يتساقط على بلدة مابل كريك الصغيرة يغطي الشوارع والأرصفة كأنما يحاول أن يخفي تعب السنين.
في داخل مطعم صغير على طرف الطريق كانت غريس تيرنر نادلة في منتصف الأربعينات تمسح الطاولات وتطفئ الأضواء واحدا تلو الآخر. ضوء النيون المعلق فوق الباب يومض بخفوت والهدوء يملأ المكان إلا من صوت الريح.
منذ أكثر من عشرين عاما تعمل غريس هنا. لم تكن تملك الكثير لكنها وجدت في هذا المطعم ملجأها الصغير من العالم ومكانا تشعر فيه أنها تفعل شيئا طيبا.
لكن خلف تلك الهدوء كانت هناك قصة لا يعرفها أحد.
قبل خمسة عشر عاما كانت تأتي للمطعم أربع فتيات صغيرات يرتدين معاطف بالية وعيونهن تلمع بالخجل أكثر من البرد.
يجلسن دائما في نفس الركن يطلبن قطعة فطيرة واحدة وأربع ملاعق صغيرة.
عرفت غريس قصتهن من جريدة محلية قديمة والديهم ماتوا في حادث سيارة والفتيات وضعن في دار رعاية قاسية على أطراف البلدة.
في إحدى الليالي رأت غريس الفتيات يعددن النقود
تجمدت في مكانها والدموع ملأت عينيها.
منذ تلك الليلة قررت أنهن لن يدفعن ثمن طعامهن مرة أخرى.
كل يوم جمعة كانت تضع أمامهن وجبة كاملة برجر دافئ بطاطس مقلية وقطعة فطيرة لكل واحدة ومعها ورقة صغيرة مكتوب عليها
من صديق سري.
لم تقل لهن يوما أنها هي ولم ترد شيئا في المقابل.
كانت تراقب ابتساماتهن الصغيرة من بعيد وتشعر أن ذلك وحده يكفي.
مرت السنوات وانقطعت زيارات الفتيات.
واحدة تلو الأخرى اختفت وجوههن من المطعم حتى أصبحت مجرد ذكرى جميلة في زاوية من قلب غريس.
الحياة استمرت نفس الطاولات نفس الزبائن ونفس القهوة التي تسكبها بابتسامة رغم تعبها.
ثم جاءت تلك الليلة.
ثلج كثيف وهدوء عجيب حتى أن صوت الريح بدا كأنه يهمس باسمها.
وقفت غريس خلف نافذة المطعم تغلق الستائر عندما رأت مصابيح سيارة قوية تشق الظلام وتتوقف أمام الباب.
سيارة دفع رباعي سوداء أنيقة لم تر مثلها في البلدة من قبل.
تجمدت في مكانها تمسح
من قد يزورها في هذا الوقت
انفتح باب السيارة ونزلت منه أربع نساء أنيقات معاطف فخمة نظرات مليئة بالثقة.
تقدمن نحو الباب بخطوات بطيئة والثلج يتطاير حولهن.
فتحت غريس الباب بخوف خفيف وقالت بصوت متردد
مساء الخير في حاجة أقدر أعملها ليكم
ابتسمت أطولهن دموعها تلمع في عينيها وقالت
آنسة غريس يمكن ما تتذكريناش بس إحنا ما نسيناش حضرتك أبدا.
تجمدت الكلمات في فمها وهي تتأمل وجوههن ملامحهن تغيرت لكن العيون نفسها
إنهن الفتيات الأربع.
صوفي لينا آبي ومايا.
لكن لم يعدن يتيمات صغيرات بل نساء ناضجات يحملن في نظراتهن امتنان عمره خمسة عشر عاما.
دخلن المطعم والدفء والذكريات غمرا المكان. جلست الفتيات على نفس الطاولة القديمة التي كن يجلسن عليها دائما.
قالت لينا وهي تمسك يد غريس
زمان كان في حد بيبعتلنا وجبات كل جمعة إحنا كنا نعرف إنها إنت حتى لو ما قلتيش.
ضحكت غريس بخجل ودموعها انهمرت بلا إرادة
كنت بس عايزة أشوفكم شبعانين وسعداء ده كل اللي كنت
قالت مايا بصوت مبحوح
بس اللي عملتيه غير حياتنا. كل واحدة فينا كبرت وهي عايزة تكون زيك. صوفي دلوقتي طبيبة أطفال آبي محامية بتدافع عن حقوق الأطفال وأنا عندي مطعمي الخاص في المدينة كل ده بدأ من وجبة سخنة وابتسامة منك.
لم تستطع غريس الكلام.
انهارت تبكي وسط ضحكاتهن وذكرياتهن.
ثم أخرجت صوفي ظرفا أبيض ووضعته أمامها على الطاولة.
ده شكر بسيط منا كلنا.
فتحت الظرف بيد مرتعشة ووجدت بداخله مفاتيح وشهادة ملكية.
رفعت نظرها بدهشة فقالت لينا مبتسمة
المطعم ده بقى ملكك بالكامل. وإحنا هنجدده ونسميه مطعم غريس علشان كل الناس تعرف إن الرحمة ممكن تغير حياة.
غمرتهن لحظة صمت دافئ وسط العاصفة بالخارج.
الثلج ما زال يتساقط لكن في قلب غريس كان دفء لا يوصف.
لم تكن تتخيل أن الخير الصغير الذي زرعته ذات يوم سيعود إليها بعد كل هذه السنين مضاعفا بالحب والامتنان.
وأخيرا أدركت أن ما يعطيه القلب لا يضيع أبدا بل يعود في الوقت المناسب بشكل أجمل مما تتخيل.
يتبع ب