عشر سنين بربي ابني لوحدي

لمحة نيوز

عشر سنين بربّي ابني لوحدي والناس كلها كانت بتسخر مني… لحد ما في يوم عربية فخمة وقفت قدام بيتي، ونزل منها أب الطفل وخلّى البلد كلها تبكي 

عشر سنين وأنا بحارب الدنيا لوحدي.
كل صباح كنت بمسك إيد ابني "نوح"، وأوصله المدرسة بخطوات ثابتة، رغم العيون اللي كانت بتاكل فيّا كلام.
"دي اللي خلفت من غير جواز."
"أكيد مش عارفة مين أبو الولد."
كنت باسمع، وكل كلمة بتغرز زي سكينة في قلبي، بس كنت بابتسم، وأكمل طريقي كأني ما سمعتش حاجة.

كنت برجع من الكافيه اللي بشتغل فيه ريحتي كلها صابون وبقع قهوة، ضهري مكسور من التعب، وإيديا مشققة من المية.
بس أول ما أشوف وش ابني، كل التعب كان بيهون.
كان هو كل دنيتي… النور اللي بيخليني أكمل حتى وأنا مهدودة.

في يوم، سألني نوح وهو بيذاكر:
"ماما، ليه أنا ما عنديش بابا زي أصحابي؟"
جمدت، وقلبي وجعني، بس ضحكت بالعافية وقلت له:
"باباك سافر بعيد يا حبيبي… بس كان بيحبك من قبل ما تتولد."
ضحك وهو مصدقني، وأنا دموعي كانت بتغلي في قلبي.

السر اللي كنت شايلاه بقاله عشر سنين محدش

يعرفه.
نوح جه بعد ليلة واحدة…
ليلة مطر، والشارع كله غرقان، وعربيتي كانت واقفة في نص الطريق، وأنا ببكي ومش عارفة أعمل إيه.
وقتها ظهر هو…
راجل غريب بشياكة بسيطة وابتسامة هادية، ساعدني أصلح العربية، ولما المطر زاد دخلنا كافيه صغير نحتمي فيه.
اتكلمنا طول الليل… عن الحياة، عن الوحدة، عن الأحلام اللي ما اتحققتش.
وفي الفجر… اختفى.
من غير ما يقول اسمه، من غير رقم، كأنه كان حلم عدى وراح.
وساب لي جواه ذكرى… وحياة جديدة بتتنفس جوايا.

من بعدها، بدأت الحرب.
الناس ما رحمتنيش، والكلام كان نار.
بس أنا كنت برفع راسي، وبشتغل في أي شغلانة علشان أربي ابني بشرف.
كان نفسي بس الناس تبطل تبصلي كأني عاملة جريمة.

وفي يوم حرّ من أيام الصيف، وأنا واقفة قدام البيت أغسل الهدوم، سمعت صوت عربية تقف فجأة.
رفعت راسي…
مرسيدس سودا فخمة واقفة عند بابي.
الناس كلها طلعت تبص من الشبابيك، ووشوشهم بدأت تتهامس.
الباب اتفتح…
ونزل راجل طويل لابس بدلة رمادي، كل خطوة ليه كانت تقيلة مليانة رهبة.
عينيه اتثبتت عليا.
صوت خافت، بس رجّ

قلبي:
"صوفيا؟"

الهوى وقف…
وشه، ملامحه، صوته… مستحيل أنساه.
كان هو! الراجل اللي اختفى من عشر سنين!

أنا اتسمرت، مش قادرة أتكلم.
الناس حوالينا سكتت تمامًا.
نوح خرج من جوّا البيت، ماسك كوباية مية، وباصص للراجل باستغراب.
الراجل أول ما شافه، وشه اتبدّل…
عيونه دمعت، وصوته اتكسر وهو بيقول:
"ده… ده ابني؟"

أنا حاولت أتكلم، بس الكلام ما طلعش.
كل اللي خرج منّي دموع.
نوح بصّ لي، مش فاهم حاجة، وأنا قلبي بينهار.
الراجل قرب، ركع على ركبته قدام الولد، ومدّ إيده يلمس وشه بخوف ودهشة.
"أنا آسف… ما كنتش عارف يا صوفيا… والله ما كنت عارف!"

الناس اتجمعت حوالينا، وكل اللي كان بيضحك عليا من سنين، سكت، والكسوف مالي وشوشهم.
الراجل وقف، وبص في عيونهم وقال بصوت عالي:
"الولد ده ابني… ودي مراتي، غصب عن اللي يرضى واللي ما يرضاش!"

السكوت ساعتها كان أثقل من الهوا.
كلهم واقفين، مذهولين.
هو مسك إيدي وقال:
"تعالي، كفاية وجع. عشر سنين كفاية."

خدنا بعض وركبنا العربية، وانا كل ثانية ببص لنوح اللي كان مبتسم لأول مرة وهو بيقول:
"

هو ده بابا يا ماما؟"
ضحكت وأنا دموعي نازلة:
"أيوه يا حبيبي… ده باباك."

بعد أيام قليلة، الدنيا اتشقلبت.
الناس اللي كانت بتسخر، بقوا بيسلموا عليا بابتسامة خجلانة.
وفي أول زيارة للمدرسة، المدرسين رحبوا بباباه كأنه بطل رجع من سفر.
بس هو ما كانش جاي يستعرض، كان جاي يصلّح اللي اتكسر.

حكالي إنه كان في مهمة سفر عمل طويلة، حصلت له حادثة، فقد الذاكرة لفترة، وبعدها سافر بره البلاد.
بس في يوم، وهو بيشوف صور قديمة على الإنترنت لكافيه من عشر سنين، شاف صورتي في الخلفية، واتذكر كل حاجة.
رجع يدور عليا بالعناوين القديمة لحد ما لقى القرية.

قال لي وهو ماسك إيدي:
"مكنتش أعرف إن الليلة دي كانت هتسيب جواي حاجة حقيقية… كنت فاكرك مجرد صدفة، بس كنتي قدري."

بكيت وأنا قلبي بيرتعش ما بين وجع وفرح، بس المرة دي الدموع كانت خفيفة… دموع راحة.
نوح دخل علينا فجأة وقال بابتسامة بريئة:
"ينفع أقول لأصحابي إن بابا رجع؟"
ضحكنا كلنا، وكان أول ضحك حقيقي من سنين.

القرية كلها اتغيرت، والناس اتعلمت ما تحكمش على حد من غير ما تعرف

قصته.
وأنا؟
تعلمت إن ربنا دايمًا بيكتب النهاية اللي تستحقها… حتى لو اتأخرت عشر سنين.

تم نسخ الرابط