في يوم مطر خبطت علي بابي فتاة
في يوم مطر وفي عزّ الوحدة، خبطت على بابي بنت شاحبة وملابسها مبلولة، ولما بصّيت في عنيها اتجمدت… نفس الشكل، نفس النظرة، كأنّي ببصّ لنفسي زمان.
قالتلي بصوت مكسور: “أنا اسمِي آنا… وبظنّ إنك أمي.”
وبعد ما استخدمت كيت DNA كنت جايباه هزار… النتيجة فجّرت سرّ عيلتي كلهم أقسموا إنهم يموتوا قبل ما يقولوه.
الخَبط جه بعد المغرب بشوية—تلات دقّات خفيفة كان ممكن أتجاهلها بسهولة. كنت بلمّع المواعين وبستمتع بالهدوء اللي قليل جدًا في البيت، بس حاجة في طريقة الدقّ خلتني أوقف.
ولما فتحت الباب… لقيت بنت مراهقة واقفة قدّامي، جسمها بيرتعش، هدومها مبلولة من المطر، وشايلة شنطة مقطّعة في حضنها. خدودها غاربة، شعرها لزِق في جبينها… بس عنيها—
عنيها جمّدتني.
كان فيها شبه غريب… شبه أعرفه كويس.
“ميس بينيت؟” همسِت.
“أيوه؟”
بلعت ريقها وبصوت مكسور قالت الجملة اللي قلبي وقع بعدها:
“اسمي آنا… وبتهيّألي إنك… أمي.”
بصراحة، بصّيت وراها مستنية ألاقي كاميرا ولا حد بيعمل مقلب سخيف.
أنا ماعنديش أطفال مخبيّاهم!
عيشت حياتي بحساب—دراسة، شغل، مسئوليات. والأمومة؟ عمري ما دخلت
بس البنت اللي قدّامي… ماكانتش بتكدب.
كانت شبه اللي مافضلش قدامه مكان في الدنيا يلجأ له.
“عارفة إنه كلام يجنّن”، قالت بهدوء، “بس أمي… قبل ما تموت… قالت اسميك. قالت إنك عمرك ما عرفتي.”
صوتها اتكسر… وقلبي اتكسر معاه.
دخلتها البيت.
قعدت على طرف الكنبة كأنها خايفة تلمس الأقمشة، ميّة المطر بتنقط من هدومها على الأرض، وكتافها ملمومين كأن حد بيهددها.
عملتلها شاي… يمكن أكتر عشان أهدّي إيديا أنا.
“أنا مش فاكرة أمّك,” قلتلها.
ردّت وهي بصوت واطي: “هتفتكري إيه؟ هي قالت إنها خبّت عنّك عشان تحميك.”
الكلام رجّعلي ذكريات قديمة… أنا عندي 19 سنة، وسايبة الحياة تشيل وتحدّف، ومش بنقي الناس اللي حواليّا.
احتمال إنها تكون بنتي؟
ماقدرتش أستبعده تمامًا.
فروحت عاملة حاجة غريبة:
طلّعت كيت DNA من الدرج—اللي كنت شارياه هزار لما زمايلي اتريّقوا إني "شكلّي سكوتلندية".
لسه مقفول.
قلت: “نجرب… يمكن.”
إيدين آنا كانت بترتعش وهي تعمل المسحة.
وبعتها.
ولا أنا ولا هي كنّا عارفين إن النتيجة اللي جاية… هتفتح سرّ عيلتي قسموا إنهم
الكلام اللي سمعته من أمي كان بيلف في وداني زي صفّارة إنذار.
إزاي… إزاي حياتي كلها كانت كدبة كبيرة؟!
Anna مسحت دموعها بإيد مرتعشة:
“أنا… أنا آسفة! أنا لو كنت غلطانة… لو أمي ضحكت عليّا… أنا همشي، والله همشي!”
قربت منها خطوة بخطوة، وقلبي بيخبط في ضلوعي.
“هتمشي؟
بعد اللي عرفناه؟
أنتي بنتي… فاهمة؟!
حتى لو الدنيا كلها قالت العكس.”
بس قبل ما ألمسها… تليفوني رن.
أمي.
ردّيت وأنا قلبي بيولّع غضب:
“ليه عملتوا كده؟! ليه خبّيتوا عليّا؟!”
أمي اتنهدت تنهيدة طويلة… زي حد بيجهّز نفسه يعترف بذنب عمر كامل.
“ليزا… إنتِ كنتي صغيرة.
اللي حصل لك وقتها… كان كارثة.
الدكاترة قالوا إن صدمة الليلة دي مسحت ذكرياتك… وإحنا… إحنا اعتبرناها رحمة من ربنا.”
“وحملت… ومحدش قالّي؟!!”
“كنّا خايفين ترجعي تتكسري.
ولما ولدتي… كنتِ في حالة ما تسمحيش تربّي طفلة.
جدّتك اقترحت ندّي الطفلة لستّ تانية تبقى أمّها… ونعمل إنك عمرك ما عرفتي.”
اتسندت على الحيطة.
نفَسِي اتقطع.
“بس ليه؟
ليه خبّيتوا عليّا؟
ليه محدش قالّي لما
أمي قالت بصوت مكسور:
“عشان إنتِ سألت مرة… وقلتِ لو عندك أطفال هتسيب كل حياتك وتضحّي بكل اللي بنيتيه.
خفت عليكي… وخفنا على الطفلة.”
Anna كانت واقفة وبتبص ليا بخوف… بخوف الأم اللي بتستنى حكم الإعدام.
جريت عليها… حضنتها بقوّة، كأني بحاول أعوض ١٦ سنة اتسرقوا منّا.
“إنتي مش لوحدِك…
ولا هتكوني لوحدِك تاني.”
بس فجأة…
Anna شهقت:
“في حاجة كمان… لازم تعرفيها.”
بعدت وشي عنها شوية:
“في إيه؟”
“أمي… اللي ربتني… قبل ما تموت قالتلي حاجة غريبة.
قالت إن في حد…
حد من عيلتك… ماكنش عايزك تعرفيني.”
سكتت لحظة…
بصت لتحت…
وبعدين ضمّت شنطتها لصدرها.
“قالت… اخوكي كان بيهددها لو قربت منّك.”
الدنيا لفت بيا.
“أخويا؟! سام؟!
ليه؟!”
Anna رفعت عينيها بخوف:
“قالت إنه…
هو اللي كان في الليلة دي.
وإنكم… ما تعرفوش.”
الصدمة خبطتني زي طوبة على الجمجمة.
أخويا؟
سام؟
حد ما خطرش على بالي ولا لحظة؟
حسّيت إني بترعش.
كل حاجة كانت معقودة… ومش حقيقة.
كل حد في حياتي كان له دور في الكذبة.
مسكت ايد Anna وقلت لها:
“السر ده مش هيفضل مدفون.
أنا وإنتي… هنفتح كل
ومش هنخاف من حد.”
وساعتها… للمرة الأولى
حسّيت إني بقيت أم.
مش لأن الدمّ يربطنا…
لكن لأنني قررت أحميها—
حتى لو العالم كله اتحرق.