كنت عايز بس اشوف الرصيد
"كنت بس عايز أشوف الرصيد المليونير ضحك… لحد ما شاف الشاشة"
نوح كارتر اتعلّم وهو لسه ما يعرفش يتهجّى كلمة "مسؤولية" إزاي يحافظ على وعد…
وكان الوعد ده بالنسباله زي تعويذة سرّية، أكبر بكتير من إيده الصغيرة وهو عنده عشر سنين.
الوعد اللي قطعه لجده وهو على سرير المستشفى، بعد ما أجهزة المراقبة سكتت، والممرضة رتّبت الملاية على صدره الرفيع بالظبط.
روبرت كارتر كان الشخص الوحيد اللي بينادي نوح باسمه الكامل من غير استعجال:
"نواح بنجامين كارتر"
كإن نطق الاسم كامل يخليه أثبت وأقوى.
يومها، جدّه مسك إيده الرفيعة بإيده الدافية وقال له:
"هتيجي يوم وتروح المكان اللي قولتلك عليه. ولما اليوم ده ييجي… ما تخافش. هتعرف تعمل إيه."
اليوم ده جه في آخر أكتوبر… الجو ريحته مطر، وممزوج برائحة السكر المحروق من مخبز في نص الشارع، اللي نوح وأمّه أحيانًا كانو بيشتروا منه لما الفلوس تسمح.
الجواب وصل من مكتب محامي… ظرف أبيض بختم قديم، شكله رسمي بطريقة تخوّف شوية، دايمًا كان يخلّي نوح يحس إن الجواب جاي من عالم تاني.
جده توفّى من 3 أيام.
أمّه، إيميلي، قرأت الجواب في المطبخ الصغير… بينما نوح قاعد على الترابيزة ورجليه بالكاد بتلمس الكرسي.
وشها وقع، وبعدين
قالت له:
"سيبلك حاجة يا حبيبي… كان عايزك أنت اللي تاخدها. وقال…"
وصوتها اتكسر:
"…قال إنك لازم تروح برج نورث ستيت المالي… وتسأل على مستر ويتاكر في الدور بتاع كبار العملاء."
نوح راح…
ماقالش لأمه إنه خارج.
حاسس إن السر ده جزء من الوعد… دليل إنه كبير بما يكفي يتصِق فيه.
خد معاه الفايل الشفاف اللي جده ادّاهوله قبلها بأسبوع:
صور أوراق قانونية قديمة، مفتاح نحاس صغير عليه خبطة من ناحية عشان كان وقع زمان، ونوتة مكتوب فيها بحبر باهت، ريحتها مزيج بين دخان بايب وجيل استحمام ليمون.
النوتة مكتوب فيها:
"لما ييجي اليوم يا نوح… كن شجاع. إياك تخلي الفلوس تصغّرك."
برج نورث ستيت المالي كان واقف في شيكاغو زي وعد كبير المدينة نسيته.
فوق، ناس لابسين بدلات غالية بيتخانقوا على مستقبل ثروات غيرهم.
وتحت… الشارع مليان ورق دعاية وريحت أكل.
نوح دخل اللوبي… حسّ إنه داخل لوحة مرسومة.
رخام بيلمع… رجالة جزمهم بتبرق.
راح للكونسيرج، بنت لابسة بادج مكتوب عليه "VIP Concierge"، بتبتسم من غير ما تبين ضروسها.
قال لها:
"لو سمحتي… عايز مستر ويتاكر."
صوته ما اهزش.
لما بصّت له باستغراب،
أخدوه فوق، للدور اللي فيه كبار العملاء…
بنفس أسلوب الناس اللي مش بيعرفوا يكونوا قليلين الذوق في السر.
الناس بصّوا عليه…
ضحكات خفيفة… كؤوس شامبانيا اترفعت…
طفل؟ في المكان ده؟
الأطفال هنا ولاد رجال أعمال… مش لابسين هودي أزرق باهت.
واحد قال له وهو بيقلب الكأس في إيده:
"إنت يا ابني بتعمل إيه فوق هنا؟"نوح شدّ نفسه، مسك الفايل كويس، وقال للراجل:
"جدي قالي أجي هنا… وأسأل عن مستر ويتاكر."
الراجل ضحك…
ضحكة من النوع اللي بيطلع من واحد شايف نفسه فوق الدنيا كلها.
كام واحد حواليه ضحكوا معاه، كإن دي فقرة ترفيه.
بس السكرتيرة قالت باحترام:
"مستر ويتاكر مستني الصغير."
الضحك اتقطع.
والناس اتبادلوا النظرات.
“مستني… مين؟”
نوح اتفضّل يدخل أوضة فخمة كبيرة، مليانة خشب غالي وحِليات دهب.
وراه على مكتب ضخم… قاعد مستر ويتاكر—راجل كبير في السن، شعره أبيض، ونظرة عينه كانت فاحصة… بس مش قاسية.
قال له:
"إنت نوح بنجامين كارتر؟"
نوح هز راسه.
سلّمه الفايل… والورق… والمفتاح.
مستر ويتاكر فتح النوتة اللي بخط الجد… ولما قرأ السطور، عينه لمعت بصدمة خفيفة، وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة قوي… فيها احترام.
"
دخل بيه أوضة تانية… فيها شاشة بنكية كبيرة على الحيطة.
وطلب من نوح يقول رقم الحساب اللي في الورق القديم.
نوح قاله.
وهي لحظة هدوء…
مستر ويتاكر كتب الرقم…
الصفحة فتحت…
وبعدين…
افتكر الراجل كل الضحك اللي ضحكه قبل ما يدخل الطفل… ووشه اتجمّد.
عيناه اتسعت…
إيده ترجّفت.
كرر الرقم…
وداس Enter مرة تانية.
نفس النتيجة.
نوح وقف جنبه… صغير وسط شاشة ضخمة…
لكن اللي ظهر على الشاشة هو اللي خلّى الراجل الواقف فوق السحاب يحس إنه هو اللي صغير:
الرصيد: 148,000,000 دولار.
الراجل اتنفس بصعوبة:
"ده… ده حساب جدّك.
والمستفيد الوحيد… هو أنت."
نوح اتسمر.
ماعرفش يحس بإيه.
كان فاكر الجد سابه له "حاجة صغيرة"… تذكار… مفتاح لخزينة فيها ورق أو صورة قديمة.
لكن ده؟
مستر ويتاكر قال:
"جدّك أسّس صندوق استثماري لك… من يوم ما اتولدت.
كان بيقول دايمًا:
الولد ده… هيفهم قيمة الفلوس… مش هيسيبها تفهمه هي قيمته."
نوح حط إيده على جيبه…
على النوتة اللي ريحتها لسه فيها لمسة الجد…
وفهم الجملة اللي كان مش قادر يستوعبها وهو طفل:
"إياك تخلي الفلوس تصغّرك."
خرج نوح من المكتب… والناس اللي ضحكوا عليه من شوية، بقوا واقفين ساكتين…
بعضهم
حد فيهم حاول يعتذر…
بس نوح ماوقفش.
كان ماشي وراسه مرفوعة… مش علشان بقى مليونير.
لأ.
علشان أخيرًا فهم الوعد.