رمضان كان المفروض

لمحة نيوز

رمضان كان المفروض يبقى دفا ولمّة وصوت أذان… بس اللي حصل قلب كل حاجة. أحمد، جوزي “ابن أمه”، قرّب مني وأنا واقفة قدام سفرة الفطار، وهمس بحدّة:
هو إنتِ مش فاهمة؟ ماما مش عايزاكي تفطري معاها.

كنت من قبل الفجر في المطبخ. إيديا حمرا من السخونة، جلابيتي متبقعة صلصة، وريحة البط والمحشي مالية الشقة. السفرة عاملة زي صور إعلانات رمضان: تمر، قمر الدين، شوربة، فوانيس صغيرة بتنور… كنت بقول لنفسي:
عدّي الليلة… ابتسمي… استحمّلي.

دخلت الحاجة سنية كأنها صاحبة البيت. الطرحة مترفعة، وبصتها حادة. ما قالتش رمضان كريم… بصّتلي من فوق لتحت، وقالت بصوت عالي:
هو إنتِ هتقعدي بالمنظر ده؟ شكلك مقرف. نفسي يتسد لو هشوف وشك وأنا باكل.

أحمد؟ ولا كلمة. ولا حتى بصلي.
هو بقاله فترة بيقول عليّا مالكيش لازمة… مش بتجيبي فلوس… وكأني عبء عليه.

بلعت إهانتي وطلعت أوضتي.
بصيت لنفسي في المراية. عيني باين فيها سهر، شعري مفكوك من الكليبسة، وفي حرقه صغيرة في دراعي من صينية الفرن. غيرت هدومي، لمّيت شعري، وحطيت شوية بودرة أخبّي بيها حمرة وشي… كأن الميكب ممكن يمسح الإهانة.
لبست إسدالتي ونزلت على مهلي. كنت عاملة نفسي هادية… بس قلبي كان بيخبط في صدري زي الطبلة.
لقيتهم قاعدين على السفرة. الحاجة سنية في صدر المكان، أحمد جنبها، وطبقه مليان قبل ما الأذان يأذن.
وقفت على بُعد خطوة، مستنية حد يقول لي: “اتفضلي”.
ولا كلمة.
الأذان أذّن…
“الله أكبر الله أكبر…”
ومع أول “حيّ على الصلاة”، الحاجة سنية مدت إيدها على التمرة وقالت بصوت مسموع: – يلا نفطر، بدل ما الأكل يبرد.
ولا كأني موجودة.
قعدت على كرسي بعيد شوية. مدّيت إيدي على الطبق…
قامت خابطة المعلقة في الطبق وقالت: –

إنتِ مش سمعتي؟ أنا قلت لأحمد مش عايزاها تفطر معانا.
رفعت عيني وبصيت لأحمد.
استنيته يقول أي حاجة…
حتى “عيب يا أمي”.
لكن هو نزل بعينه في الطبق وقال: – اسمعي الكلام… بدل ما تعملي مشاكل في رمضان.
هنا حسّيت إن الكوباية طفحت.
قومت واقفة، صوتي كان هادي بس طالع من نار: – مشاكل؟ أنا من الفجر واقفة على رجلي عشان الأكل اللي إنتوا بتاكلوه ده… وفي الآخر أطلع برّه؟
الحاجة سنية ضحكت ضحكة مستفزة: – وإيه يعني؟ ده واجبك. إنتِ مراتي ابني… خدامة البيت.
بصّيت لها وبعدين لأحمد: – وإنت شايفني خدامة؟
سكت.
سكوته كان أقسى من أي شتيمة.
سيبت السفرة، دخلت الأوضة وقفلت الباب.
سمعتهم بيكملوا أكل وضحك… ولا كأني كنت موجودة من شوية.
قعدت على السرير، دموعي نزلت من غير صوت.
افتكرت أمي وهي بتقولي يوم فرحي: “لو حسّيتي إن كرامتك بتتداس… ارجعي،
بيتنا مفتوح.”
قمت، طلعت شنطة صغيرة، حطيت فيها هدوم بسيطة، وكرت العيلة، وموبايل الشحن.
ما أخدتش دهب، ولا فلوس.
أخدت نفسي بس.
طلعت من الأوضة، لقيت أحمد بيشرب شاي بعد الفطار.
قال من غير ما يبصلي: – رايحة فين؟
قلت بهدوء: – رايحة المكان اللي ما يتحطّش فيه الأكل قبل الإنسان.
ضحكت الحاجة سنية: – سيبها تمشي… دي ما وراهاش غير الكلام.
فتحت الباب…
وقبل ما أخرج قلت: – أنا ما مشيتش عشان ضعيفة… أنا مشيت عشان فاكرة إني بني آدمة.
قفلت الباب ورايا.
نزلت السلم، والهوا ضرب في وشي، حسّيت لأول مرة إني بتنفس.
وصلت بيت أمي.
فتحت لي الباب أول ما شافتني بالإسدال والشنطة: – مالك؟
حضنتها وقلت: – وحشتيني… وجعتني الدنيا هناك.
دخلت، قعدت على الأرض جنبها، وأول مرة أفطر من غير ما حد يذلني.
وفي الليلة دي…
عرفت إن رمضان مش سفرة ولا محشي
ولا بط.
رمضان كرامة…
واللي يكسرك في رمضان، هيكسرك طول العمر.

تم نسخ الرابط