ابويا وامي
أبويا وأمي استخسروا يدفعوا 100 ألف جنيه عشان ينقذوا حياة ابني "زين".. وفي نفس الوقت، ما رمش لهم جفن وهم بيرموا 500 ألف جنيه في فرح أختي "المبالغ فيه". بعد سنين، لما جم خبطوا على بابي، ما فتحتش.. رزعت الباب في وشهم وقلبي زي الحجر.
زين مات يوم الثلاث الصبح. هربت روحه بهدوء وهو ماسك إيدي.. قبل مراسم فرح خالته بـ 3 أيام بس.
قبل الفاجعة بأسبوعين...
حكايات رومانى مكرم
"يا إيمي! بابا وماما شالوا الليلة كلها! مفيش ميزانية محددة.. اصرفي يا نهى واتدلعي!".. صرخة أختي المتحمسة في التليفون كانت زي كسر الزجاج في صدري. من كام يوم بس، نفس الأب والأم دول—اللي بيمولوا دلوقتي فرح "فخم" وتجهيزات ملهاش آخر—رفضوا يساعدوا في تمن عملية زين بحجة إنهم "محتاجين يحافظوا على استثماراتهم".
وقبل ما أبلع غضبي، لقيت مكالمة من أمي.
ما سألتش عن زين اللي كان بينازع عشان يتنفس في الأوضة اللي جنبي.
طلبت فلوس!
"يا إيمي، فستان الإشبينة بتاعك بـ 5 آلاف جنيه.. ابعتيهم بسرعة عشان الأتيليه يخلص."
"5 آلاف يا أمي؟ ده تمن علاج قلب زين لمدة أسبوعين! أنا مش معايا—"
"بلاش أنانية بقى يا إيمي!".. قطعت كلامي بحدة. "ما تبوظيش فرحة أختك بالدراما بتاعتك دي."
أنانية؟ ابني كان بيموت عشان مش قادرة أوفر 100 ألف جنيه لعملية ممكن تنقذه، وهي شاغلة
يوم الوداع
حكايات رومانى مكرم
زين مات يوم الثلاث الصبح. لَفَظ أنفاسه الأخيرة وإيده الصغيرة لسه ماسكة في إيدي.
أبويا وأمي جم "عزوا" بالظبط 15 دقيقة. شفتهم بعيني بيبصوا في ساعاتهم "الرولكس" قبل ما يجروا على المطار.
قالوا ببرود: "توقيت سيء جداً.. بس مش هنقدر نلغي الطيارة والحجز. لما نرجع نبقى نحزن براحتنا."
دفنت ابني يوم الجمعة الصبح.. في يوم رمادي وكئيب.
الكراسي اللي في أول صف—اللي كانت محجوزة للجد والجدة—فضلت فاضية وتوجع العين.
والتابوت الأبيض الصغير نازل التربة، تليفوني رن.
بين دموعي، شفت الرسالة.
من أمي.
"بفكر فيكي.. إحنا لسه بادئين حفلة العشا. الغروب هنا يجنن، كان نفسي تبقي معانا."
ومع الرسالة صورة.
أبويا وأمي، وشوشهم منورة من الشمس، رافعين كاسات الشربات، والضحكة مالية الوشوش.
فضلت متنحة في ضحكتهم.. وفي حاجة جوايا اتغيرت للأبد.
الدموع وقفت.
حكايات رومانى مكرم
والحزن اتحول لحاجة باردة وقاسية.. زي السيف.
كانوا بيحتفلوا، ومش عارفين إن بالصورة دي، هم ختموا على نهاية علاقتنا للأبد.
فاكرين إن الموضوع خلص هنا؟
لا.. الحساب لسه بيبدأ.
ووو بعد الصورة دي…
حطيت الموبايل في جيبي، وبصيت للقبر الصغير اللي لسه التراب عليه طري.
همست وأنا واقفة:
"حقك عليّا يا
رجعت بيتي يومها وأنا حاسة إن حاجة جوايا ماتت معاه. البيت كان هادي بطريقة توجع القلب… لعبته الصغيرة على الكنبة، عربيته البلاستيك تحت الترابيزة، وكوب العصير اللي كان بيشرب منه لسه في المطبخ.
قعدت على الأرض وفضلت أبكي… لحد ما مفيش دموع فاضلة.
ومن يومها… قطعت كل حاجة ليها علاقة بأهلي.
غيرت رقمي.
قفلت حساباتي.
حتى الشقة اللي كانوا عارفين عنوانها… بعتها بعد سنة وسافرت محافظة تانية.
بدأت من الصفر.
اشتغلت شغلانتين… واحدة الصبح وواحدة بالليل.
كنت بشتغل زي الآلة… من غير مشاعر… من غير حياة.
بس كل مرة كنت بتعب… كنت أفتكر عيون زين وهو بيبصلي وهو مريض… فكنت أكمل.
بعد أربع سنين…
بقى عندي مشروع صغير لبيع مستلزمات الأطفال على الإنترنت. المشروع كبر شوية بشوية… لحد ما بقى شركة صغيرة.
الغريب إن أكتر حاجة كانت بتكسر قلبي… إني كل ما أشوف طفل مريض، كنت أساعد أهله على قد ما أقدر.
يمكن عشان محدش يساعدني وقتها.
وفي يوم…
كنت قاعدة في المكتب، سكرتيرتي قالتلي:
"مدام إيمي… في راجل وست كبار بره… بيقولوا إنهم أهلك."
قلبي اتقبض.
أنا كنت عارفة إن اليوم ده هييجي… بس مكنتش متخيلة إحساسي هيكون إيه.
خرجت أشوفهم.
أول ما شفتهم… اتصدمت.
أبويا بقى عجوز بشكل مفاجئ… ضهره محني وشعره أبيض.
وأمي… وشها مليان تعب.
لكن
أمي قربت مني وقالت بصوت مكسور:
"وحشتينا يا إيمي… سامحينا."
وقفت ساكتة… ولا كلمة.
أبويا اتكلم بعدها:
"إحنا خسرنا كل حاجة… استثماراتنا وقعت… والديون كسرتنا… وأختك سافرت مع جوزها برا ومابقتش بتسأل."
وسكت لحظة وبص في الأرض.
"ملناش غيرك."
الجملة دي… لو كانت اتقالت زمان… كانت هتخليني أعيط وأحضنهم.
لكن دلوقتي…
حسيت إن قلبي بقى حجر.
بصيت لأمي وقلت بهدوء:
"فاكرة يا أمي لما طلبت منكوا 100 ألف جنيه عشان عملية زين؟"
دموعها نزلت فورًا.
كملت وأنا ببص في عيونهم:
"وقتها قلتيلي ما أبقاش أنانية وما أضيعش فرحة أختي."
أبويا حاول يتكلم:
"إحنا غلطنا… كنا فاكرين إن—"
قاطعته.
"الغلط مش إنكم رفضتوا تدفعوا… الغلط إنكم احتفلتوا وهو بيموت."
السكرتيرة كانت واقفة بعيد بتبص علينا في صدمة.
أمي مسكت إيدي وقالت:
"إدينا فرصة يا بنتي… إحنا تعبنا أوي."
سحبت إيدي بهدوء.
ومشيت ناحية الباب.
فتحته… ووقفت.
وبعدين قلت آخر جملة:
"أنا دفنت ابني لوحدي… وأنتم اخترتوا تعيشوا حياتكم من غيري.
دلوقتي… كملوها من غيري برضه."
وبهدوء…
قفلت الباب.
رزعته.
نفس الرزعة اللي سمعتها جوايا يوم ما شفت صورتهم وهم بيحتفلوا.
رجعت لمكتبي… وقعدت على الكرسي.
المرة دي بس… دمعة واحدة
مش عليهم.
على الطفل الصغير اللي كان ممكن يعيش…
لو بس…
كان في حد اختار قلبه بدل الفلوس.