الكلمة دي كانت بتلف بقلم الكاتبه امانى سيد
الكلمة دي كانت بتلف في دماغي وأنا شايفة نظرة "محمود" اللي اتحولت لشرار في ثانية. سنة 2003، فاكرينها؟ لما كان جرام الذهب بـ 63 جنيه بس. وقتها بدأت الحكاية، بدأت أجمع القرش على القرش، وأشيل القرش الأبيض لليوم الأسود اللي الكل بيخاف منه.
كنت بداري "السبيكه" دي زي ما بداري سري، بجيب الجرام ورا الجرام من ورا جوزي، مش عشان أخونه ولا أسرقه، لا والله، بس عشان أشيلهم للزمن. كنت بشتري الذهب المستعمل المكسور، وأجمعه حتة حتة، وأروح أبدله بحتة أكبر وأتقل. وفضل الحال كدة سنين طويلة، والذهب بيغلى وأنا حلمي بيكبر معاه، لحد ما كسر الـ ٥٠٠٠ الاف جنيه، وبقت التحويشة اللي بدأت بمليمات ثروة تعدي العشرة مليون جنيه النهاردة.
أنا كنت مقررة ومبيته النية إني أديهم لجوزي.. قلت الغلاء أكل الأخضر واليابس وهو شايل الهم لوحده، والفلوس دي هي اللي هتسنِدنا وتخلينا نعيش مستورين.
بس الصدمة كانت قلم على وشي مكنتش متوقعاه.
لما جيت أصارحه عشان أمد إيدي وأساعده، اتهمني بالخيانة! قالي "إنتي قليلة الأصل.. والفلوس دي حقي أنا مش حقك، وإنتي خنتي الأمانة طول السنين دي".
وقفت قدامه مذهولة، والدموع بتحرق عيني قبل قلبي. يا محمود، ده أنا كنت بوفر من مصروف البيت، وبدخل جمعيات، وعمري ما مدت إيدي على مليم زيادة عن حقي ولا قصرت في بيتي ولا في عيالي في يوم. ده مجهودي وتدبيري
بصقت الكلمات من بقه زي السم، وعينه اللي كانت دايماً حنينة اتحولت لعين حد غريب، حد طماع ميعرفش يعني إيه عشرة.
قرب مني وخطواته كانت بترج الأرض تحتيا، مد إيده بحدة وكأنه عايز ينتش الروح من جوايا وقال بصوت واطي ومرعب:
— "هاتي الدهب ده يا هناء.. هاتي الذهب ده كله وإلا هعتبرك سارقة وماشية في بيتي بالحرام. الذهب ده جه من خيري، من شقايا اللي كنت بطفح فيه الكوت برا وإنتي قاعدة هنا "بتوفري"! التوفير ده مالي أنا، مش شطارة منك، ولو كنت أعرف إنك بتعملي كدة كنت قللت المصروف للنص، كنت أحق بيهم أصلح حالي بيهم من زمان."
وقفت مكاني مش قادرة أتحرك، الكيس اللي فيه "السبيكة" كان تقيل في إيدي، بس وزنه في قلبي كان أتقل بكتير. حاولت أنطق، حاولت أقوله يا محمود ده شقا سنين، ده لعيالك، ده لبيتنا.. بس هو مقطعش كلامه:
— "ومسمعش صوتك خالص! الذهب ده أنا اللي هصرفه، وأنا اللي هقرر أعمل بيه إيه. وبعدين تعالي هنا.. اللي تخبي عن جوزها ثروة زي دي سنين، مأمنلهاش تعيش معايا يوم واحد. الفلوس دي هي اللي هتعوضني عن سنين الخديعة اللي عشتها معاكي، وممكن أوي أبدأ بيها حياة جديدة.. حياة مع واحدة تانية تصوني وتعرف يعني إيه أمانة، مش واحدة عمالة تكنز من ورايا وتعمل نفسها الست المدبرة!"
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. "يتجوز عليا؟" بفلوسي؟ بشقا عمري؟ بوجع
ضحك ضحكة صفرا وهو بيشد الكيس من إيدي بعنف وقال:
— "متستغربيش.. الراجل اللي معاه عشرة مليون جنيه في الزمن ده، يقدر يفتح عشر بيوت مش بيت واحد. إنتي دلوقتي ملكيش حق في مليم واحد، الذهب ده كله هيدخل خزنته، والقرار قراري أنا."
في اللحظة دي، حسيت إن الحيطان بتضيق عليا. السبيكة اللي كنت شايلاها عشان "تسندنا"، بقت هي السكينة اللي ذبحتني من الوريد للوريد. بصيت له ولقيت قدامي وحش معرفوش، وحش الفلوس غيرت ملامحه في ثانية،
#الكاتبه_امانى_سيد
الدمعة نزلت على خدي، وأنا حاسة إن قلبي بيتفتت نصين. لكن في جزء مني، جزء عنيد، مش راضي يستسلم بسهولة. رفعت راسي وبصيت له بعينين فيها نار:
— "مفيش حاجة اسمها تنسى تعب سنين، محمود. ومفيش فلوس في الدنيا تقدر تمحو كل تعب قلبي وعقلي وسهر عيالي. اللي عملته ده كان علشاننا إحنا مش علشان حد غيرك، ولو فاكر إن ده هيدي لك الحق تهددني أو تتحكم في حياتي، يبقى أنت غلطان غلط كبير."
هو ضحك ضحكة قصيرة، مرّة، وده خلاني أحس إن جوه قلبه لسة فيه شرارة صغيرة من اللي كان بيحبني. لكن الكيس كان في إيده دلوقتي، وأنا حاسة إنه صار أداة تحكمه فيّا.
مرّيت بإيديه وقال:
— "انتِ فاكرة نفسك مدبرة؟ ده أنا اللي هقرر دلوقتي، وده وقت الحساب، هناء!"
بس أنا ما
— "خذ كل ده، خد الفلوس كلها، بس تذكر حاجة واحدة: أنا مش هسمح لفلوسي ولا شغلي ولا تعب سنين يعدوا هباء. اللي بينا انتهى، وأنا مش هسيبك تاخد مني حياتي ولا كرامتي."
اتدهش محمود. لأول مرة من سنين، وقف عاجز عن الكلام. صمت طويل حسيت فيه إن الزمن اتلخبط حوالينا، وفجأة، كنت أنا اللي ماسكة زمام الموقف.
بعد دقائق، قرر يترك الكيس على الأرض، ومشي بعيد. أنا وقفت هناك، حاسة إن قلبي اتعب من السنين دي كلها، لكن في نفس الوقت، حسيت بحرية غريبة. الحرية دي مش محتاجة فلوس، ولا تهديد، الحرية دي محتاجة شجاعة وعزة نفس.
مرت أيام، وأنا بحاول أرتب حياتي. محمود اختفى من البيت، والناس كلها بدأت تعرف الحقيقة عن اللي حصل. بعض جيراني شافوني وأنا برجع كل الذهب اللي كنت مخبيه لحساب البيت، بس مش علشان أرجعه له، بس علشان أضمن إن شغلي وتعب سنين مش هيضيعوا.
وفي نهاية المطاف، أنا طلعت من القصة دي أقوى، أذكى، وأعرف قيمة نفسي وقيمة تعب أي واحدة بتحاول تبني حياة بجهدها. محمود؟ ممكن يكمل حياته مع فلوسه، لكن أنا كملت حياتي بشغلي، بحبي لأولادي، وبكرامتي اللي ماحدش يقدر يشتريها بملايين.
الدرس الوحيد اللي اتعلمته؟
الفلوس ممكن تشتري أي حاجة، إلا الرجولة الحقيقية، والوفاء،