لإرضاء أمي أهنتُ زوجتي، وحبستُها وحدها في غرفةٍ مظلمة حتى الفجر
المحتويات
وهناك رأيتها؛ سارة واقفة بهدوء، وجهها مختلف تمامًا.. لا خوف، لا دموع، ولا حتى ذلك الانكسار الذي رأيته آخر الليل. كانت تنظر لي وكأنها تنتظرني من زمان.
قلت بصوت مبحوح إنتِ.. إنتِ خرجتي إزاي؟
لم تجب، لكن الصوت الرجولي عاد مرة أخرى من الظلام خلفها هي ما خرجتش.
تجمد دمي، فالصوت أكمل هي كانت هنا من الأول.
اقتربت ببطء، وأنا أبحث بعيني في العتمة. وفجأة ظهرت هيئة رجل واقف في نهاية الممر؛ طويل، ملامحه غير واضحة، لكن صوته كان كأنه محفور في داخلي.. نفس الصوت اللي سمعته قبل ثلاثين سنة يوم دفن أبي. قلت بصعوبة أنت.. أنت ميت.
ضحكة قصيرة خرجت منه الميت هو اللي ينسى مش اللي يختفي.
سارة التفتت ناحيته وقالت بهدوء غريب قلت لك إنه هييجي.
نظرت لها بصدمة إنتِ تعرفيه؟
قالت بهدوء أنا مش جاية بيتك صدفة يا عباس.. أنا جاية أكمل اللي أمك بدأت تخبيه.
في اللحظة دي، أمي صرخت من خلفي اخرسوا! كفاية!
لكن الصوت الرجولي قال بهدوء أخطر من الصراخ هي مش أمك اللي كانت بتربيك يا عباس، دي كانت بتخبّي الحقيقة عنك.
شعرت بدوار. اقتربتُ خطوة، وقال الرجل اسألها عن اللي حصل لزوجها الأول، اسألها عن الغرفة اللي كنت محرم تدخلها طول عمرك.
التفتُّ ببطء نحو أمي؛ كانت لأول مرة لا تملك الإجابة، فقط ترتجف.
وسارة قالت لي آخر جملة، وهي تنظر لعيني مباشرة أنا ما اختفيتش، أنا اتسجنت هنا قبل ما أعرفك وكنت مستنياك تفوق.. المفتاح الحقيقي مش في الباب، المفتاح في قرارك.
سكت المكان كله، لا صوت، لا حركة، فقط أنا واقف بين حقيقتين أم بدأت تنهار، وامرأة عرفت عن بيتي أكثر مني. وفي اللحظة دي، الطريق اللي ورايا اتقفل لوحده، وسمعت صوت الباب الخشبي بيتقفل ببطء شديد من غير ما حد يلمسه.
صوت الباب وهو بيتقفل ورايا كان أهدى من إنه يكون مجرد حركة خشب، كان كأنه قرار اتاخد عني. الظلام بقى أثقل، وسارة ما بقتش في مكانها. نظرت ناحية اللي كانت واقفة فيه قبل ثواني.. مفيش غير فراغ. قلت بصوت مكسور سارة؟ ولا رد.
الرجل في آخر الممر قال بهدوء هي ما بقتش محتاجة تبقى مرئية دلوقتي.
التفتُّ له بسرعة إنتوا عايزين مني إيه؟!
اقترب خطوة، وبدأت ملامحه تبان أكتر، وكانت الصدمة إن ملامحه بدأت تبقى مألوفة.. نفس عيون أبي، نفس طريقة وقفته، نفس العلامة الصغيرة فوق الحاجب اللي كنت فاكرها اتدفنت معاه. رجعت خطوة لورا ده مستحيل.. أبويا مات.
قال بهدوء أبوك اتدفن فعلاً بس الحقيقة
في اللحظة دي، أمي صرخت من ورايا كفاية كذب! اطلعوا بره دماغه!
لكن الرجل رفع إيده وقال إنتي اللي خلصتي عليه يا أم جاسم مش أنا.
سكت المكان مرة تانية. أنا بقيت ما بين الاتنين؛ أمي ترتعش لأول مرة من غير سيطرة، وراجل بيقول إنه أبويا، وامرأة اختفت من غير أثر. قلت لو أنت أبويا.. سارة مين؟
رد بهدوء سارة مش زوجتك، سارة هي اللي كانت شاهدة.
شاهدة على إيه؟
سكت لحظة وبعدين قال الجملة اللي كسرت كل اللي قبله على اليوم اللي أمك فيه اختارت تمسحك من الحقيقة علشان تبقي ابنها الوحيد اللي ما يعرفش مين أبوه الحقيقي.
حسّيت الأرض بتسحبني. بصيت لأمي إيه الكلام ده؟ ما ردتش، بس عيونها كانت بتقول كل حاجة. أول مرة أشوفها مش قادرة تلاقي جملة واحدة تدافع بيها عن نفسها.
الرجل كمل أبوك الحقيقي ما ماتش في حادث زي ما قالوا لك، هو اتمنع يخرج من هنا.
أشرت ناحية البيت كله هنا؟ في البيت ده؟
قال في نفس الغرفة اللي كنت بتقفل فيها الناس، بس الفرق إنك كنت دايمًا الضحية اللي مش شايف.
سارة صوتها رجع فجأة، مش من مكان واحد، لكن من كل الاتجاهات عباس، افتكر أول مرة خلتك تحس إن في حاجة غلط؟
مسكت دماغي إنتي فين؟!
قال الصوت
بدأت الأرض تهتز خفيف، والباب اللي ورايا اتفتح فجأة لوحده، بس الممر اللي كان وراه ما بقاش نفس الممر.. بقى سلم نازل لتحت، تحت البيت، لتحت أكتر من أي مكان طبيعي. أمي همست ما تنزلش، لو نزلت مش هترجع زي ما أنت. بس الرجل قال بهدوء هو أصلاً ما كانش بيطلع من هناك من زمان، هو بس ناسي.
نظرت له ناسي إيه؟
رد إنه مش عباس الحقيقي.
الصمت اللي بعد الجملة دي كان أخطر من أي صراخ. وفي اللحظة دي، سارة ظهرت قدامي تاني بس المرة دي كانت واضحة، وقالت بصوت هادي جدًا اختار يا عباس، تفضل ابن أمك اللي عايش على رواية كذب، ولا تنزل وتفتكر أنت مين فعلاً؟ ونظرت للسلم اللي تحت، وكان باين تحته ضوء خافت كأنه بيستنى.
وقف السلم قدامي كأنه مش مجرد نزلة، كأنه قرار لو دخلته مفيش رجوع لنفس الشخص اللي طلع. سارة كانت واقفة عند الحافة، عينيها ثابتة عليّا مش لازم تثبت حاجة لحد غير لنفسك. أمي صرخت ما تسمعهاش! دي بتلعب بيك! لكن الصوت اللي خرج من تحت السلم كان مختلف، أهدى، كأنه جاي من ذاكرة قديمة جوا دماغي عباس تعال.
رجعت خطوة، وقلبي بيدق بعنف. سألت بصوت مبحوح أنا هلاقي إيه تحت؟
سارة
متابعة القراءة