لإرضاء أمي أهنتُ زوجتي، وحبستُها وحدها في غرفةٍ مظلمة حتى الفجر

لمحة نيوز

عباس. سكتت لحظة، وبعدين كملت وهتعرف مين كان بيختار عنك طول عمرك.
نزلت أول درجة. الهواء تحت كان أبرد، كل خطوة كانت بتسحب حاجة من جوايا؛ خوف، شك، حتى الغضب، لحد ما وصلت لنهاية السلم. لقيت باب حديدي قديم مفتوح نص فتحة، ومن جوه نور أصفر ضعيف. دفعت الباب ودخلت. الغرفة كانت مش زي أي غرفة شفتها قبل كده؛ مليانة صور قديمة مش لأمي مش لأبويا.. ليّا أنا، لكن أنا صغير بسن مختلف بملامح مش متناسقة مع ذكرياتي. وفي النص كان في كرسي خشب قديم مربوط فيه دفتر كبير. فتحت أول صفحة، لقيت اسمي بس مش عباس، كان اسم تاني مكتوب تحته بخط واضح يوسف.
ارتجفت. وقبل ما أستوعب، الصوت الرجولي ظهر ورايا أيوه ده اسمك الحقيقي.
لفّيت بسرعة لقيته واقف عند الباب وسارة وراه، وأمي فوق السلم بتبكي لأول مرة من غير إنكار. قلت إنتوا بتعملوا إيه؟! ده جنان!
سارة قالت بهدوء ده مش جنان، ده اللي كنت رافض تفتكره.
الرجل قال أبوك الحقيقي ما ماتش لكنه اتخلى عنك علشان ينقذك من هنا.
بصيت حوليا ينقذني من إيه؟ من بيت عادي؟!
سارة ردت ده مش بيت عادي يا يوسف، ده بيت بيعيد كتابة الناس اللي جواه.
سكت، مش قادر أصدق، لكن كل حاجة حواليا كانت مألوفة بشكل مرعب كأنها مش ذكريات كأنها إعادة مشهد. أمي نزلت خطوة واحدة، صوتها مكسور أنا عملت كده علشان أحميك.
سألتها تحميني من إيه؟! سكتت، فكرت وبعدين قالت الجملة اللي كسرت آخر حاجة فيا من نفسك الحقيقي.
سارة قربت وقالت لو طلعت دلوقتي هتفضل عباس وهتعيش نفس القصة تاني بس مع ناس تانية، ولو فضلت هنا هتفتكر وهتقرر أنت
مين لأول مرة.
الصمت كان تقيل. بصيت للدفتر وبعدين للسلم وبعدين ليهم كلهم، وسألت نفسي سؤال واحد أنا عايز أعيش حياة مستعارة ولا أعيش حقيقتي مهما كانت؟ وفي اللحظة دي، سارة مدت إيدها وقالت اختار.
وقفت قدام إيد سارة كأني واقف قدام حياتين مش اختيار واحد. إيدها كانت ثابتة بس عينيها فيها حزن هادي مش استعطاف. أمي ورايا بتتنفس بسرعة، والرجل واقف في الظل كأنه مش مستعجل على النتيجة. الدفتر اللي مكتوب عليه يوسف كان مفتوح قدامي كأنه مرآة مش ورق. مدّيت إيدي ناحية الدفتر الأول، وقلّبت صفحة. كل صفحة كانت بتقول حاجة عني، حاجات عمري ما افتكرتها بس قلبي بيصدقها غصب. ضحكت ضحكة قصيرة من غير صوت لو ده حقيقي.. أنا عشت مين طول السنين دي؟
الرجل رد بهدوء عشت اللي اتكتب لك مش اللي كنت أنت.
أمي صرخت فجأة كفاية! ارمي الكلام ده! ده كله علشان يكسروك!
لفّيت لها، ولأول مرة شايفها مش أم قوية.. شايفها خائفة. قلت بهدوء غريب عليّ أنا اتكسرت من زمان بس كنت فاكر ده أنا.
سارة قربت خطوة وقالت مش لازم تمسح عباس بس لازم تفهم هو اتبنى على إيه. سكتت لحظة، وبعدين قالت الجملة اللي غيرت كل الاتجاهات إنت مش مطالب تختار اسم، إنت مطالب تختار حقيقة.
الصمت وقع تاني. رجعت بصيت للسلم اللي فوق، لبيت قديم، لذكريات، لسنين عشتها وأنا مش فاهم ليه دايمًا في حاجة ناقصة جوايا. وبصيت للغرفة، للدفتر، للضوء اللي تحت كأنه بينادي على حاجة أعمق مني. قلت بصوت ثابت لأول مرة لو طلعت هرجع أعيش نفس الكذبة. بصيت لسارة ولو فضلت هنا؟
قالت هتفتكر كل حاجة حتى اللي
مش هتعجبك.
نظرت لأمي؛ كانت عينيها بتترجّى من غير ما تنطق، لكن المرة دي ترجيها ما بقاش كفاية يغيّر قراري.
خدت نفس عميق، وقلت أنا مش عايز أعيش بنص ذاكرة تاني. وسيبته.
رجعت خطوة لقدام ناحية الدفتر، وقعدت على الأرض، وفتحت الصفحة الأخيرة.. كانت فاضية، بس في أول السطر مكتوب اكتب نفسك.
رفعت القلم، وسمعت صوت السلم ورايا بيتقفل ببطء، وصوت أمي بيبعد، وصوت الرجل بيختفي، وسارة بتهمس أخيرًا.
وابتديت أكتب.. مش عباس ولا يوسف، لكن حاجة أول مرة أكونها بإرادتي. وبين كل سطر وسطر كنت بحس إن البيت اللي كان بيكتبني زمان بيتهد. وفي الآخر.. مفيش صرخة، مفيش نهاية صادمة، بس في هدوء غريب كأن أول مرة في حياتي أنا اللي ماسك القلم.
القلم كان تقيل في إيدي كأني مش بكتب كلمات بس، كأني بقلع جلد قديم. كل سطر كنت أكتبه كان بيحصل معاه حاجة غريبة في المكان؛ الصور على الحيطان بدأت تبهت، أسماء قديمة تختفي من الدفتر، وصوت البيت نفسه بقى أهدى كأنه بيتفك من جوه.
كتبت أول جملة أنا مش اللي اتقال عني.
وفجأة، النور الأصفر اللي في الغرفة بدأ يضعف. سارة رفعت عينيها وقالت بهدوء كمل متبصّش وراك.
لكن غصب عني بصيت؛ لقيت أمي واقفة عند حافة السلم بتتراجع خطوة خطوة كأن الأرض مش ثابتة تحتها، ووراها الرجل ملامحه بدأت تتشوش كأنه صورة قديمة بتتغسل بالمية. قال بصوت أضعف لو كملت مفيش رجوع للشكل ده من الحياة.
سألت وده تهديد؟
رد دي الحقيقة.
سكت لحظة وبعدين كملت كتابة أنا باختار أعرف نفسي حتى لو خسرت اللي كنت فاكره أمان.
في اللحظة دي، حصل حاجة ماكنتش
متوقعها؛ الدفتر اتقفل لوحده، والغرفة كلها اهتزت اهتزاز خفيف زي نفس طويل بيتسحب من المكان. سارة همست القرار اتسجل.
النور بدأ يطلع من تحت الباب بدل ما
ينزل من فوق، وأمي صرخت لا! ارجع! إنت كده بتضيع كل حاجة! لكن صوتها كان بيبعد، كأن المسافة بينها وبيني بتكبر مش في المكان.. في الزمن.
الرجل قال آخر جملة اختيارك مش بيغير الماضي بس بيغير مين هيقدر يعيش معاه. وبعدها اختفوا.. مرة واحدة.. من غير صوت.. من غير أثر.
فضلت أنا وسارة بس في الغرفة. سألتها إنتِ مين دلوقتي؟
ابتسمت ابتسامة هادية أنا الجزء اللي كان فاكر إنك مش هتصحى. سكتت شوية، وبعدين أضافت ودلوقتي مفيش حاجة هنا محتاجة تكمّل تمثيل.
الغرفة بدأت تبقى عادية تدريجيًا؛ صور بتتحول لحيطان فاضية، الدفتر بقى ورق أبيض عادي، والباب الحديدي اختفى كأنه ماكانش موجود. طلعنا من تحت السلم، لكن البيت فوق كان ساكت زيادة عن الطبيعي.. مفيش صوت أمي، مفيش حد في الصالة، مفيش حياة تقريبًا.
خرجنا للشارع. الهواء كان مختلف مش لأنه جديد لكن لأن عيني كانت شايفاه بشكل جديد. سارة وقفت عند باب البيت وقالت دلوقتي تقدر تبدأ من غير ما تكون نسخة من حد. سألتها وهتقعدي؟ هزت راسها أنا كنت هنا علشان اللحظة دي بس. وبعدها مشيت، وكل خطوة كانت بتختفى فيها كأنها بتتحرر من قصة مش مكان.
فضلت واقف لوحدي، مش فاكر أنا مين بنسبة 100 لكن لأول مرة ما كنتش محتاج أكون حد جاهز. رجعت بصيت للبيت؛ كان عادي جدًا مفيهوش أي حاجة تقول إن فيه حاجة حصلت جوه، بس أنا كنت عارف الحقيقة.. ومشيت. مش هروب ولا
ضياع، لكن بداية مفيهاش اسم قديم يمسكك.

تم نسخ الرابط