رفضو ترقيتي

لمحة نيوز

يهتز داخل حقيبتي، نظرت إليه.. رقم الإدارة العليا. لم أرد، عاد الاتصال مرة أخرى، ثم مرة ثالثة، وأخيرًا ظهرت رسالة قصيرة على الشاشة أين الأستاذة أمينة؟.
نظرت إلى الهاتف طويلًا دون كلام، ثم أطفأت الشاشة بهدوء، لكن سامر لمح الرسالة، اقترب مني بسرعة وقال الإدارة تتصل بك؟!. لم أجب، فقال بتوتر أمينة اسمعيني نستطيع أن نحل المشكلة. ضحكتُ بمرارة الآن فقط تذكّرتم أنني أفهم؟. خفض عينيه للحظة، ولأول مرة منذ سنوات لم يجد ما يقوله.
أما العمال فبدأوا يتحدثون واحدًا تلو الآخر؛ عامل من خط الإنتاج الثالث قال لولا الأستاذة أمينة لكنتُ قد فُصلت العام الماضي. وقالت عاملة أخرى كانت تبقى بعد انتهاء ورديتها لتساعدنا مجانًا. وأضاف رجل خمسيني من قسم الصيانة هي الوحيدة التي كانت تعلمنا بدلًا من أن تهيننا. بدأ الغضب يتحول داخل المكان، ليس ضدي بل ضد سامر، شعر بذلك فورًا فصرخ بعصبية اصمتوا جميعًا!. لكن لا أحد صمت هذه المرة، حتى ريم كانت تنظر إلى الأرض بخوف.
ثم اقترب مني فني الأنظمة الشاب هامسًا خالة أمينة المصنع فعلًا لن يعمل بدونك. نظرت إلى الشاشات الحمراء الممتدة أمامي، وإلى العمال الواقفين بوجوه متوترة، ثم إلى بطاقة العمل القديمة الموضوعة أمامي فوق الطاولة.. اثنان وعشرون عامًا انتهت بورقة استقالة.
وفجأة رن هاتف
سامر بصوت مرتفع، فتح المكالمة بسرعة ثم تجمد وجهه تمامًا؛ كان المتحدث من الإدارة العليا، سمعناه يقول بعصبية نريد الأستاذة أمينة فورًا.
رفع سامر عينيه نحوي ببطء بينما ساد الصمت داخل المصنع كله، ولأول مرة منذ سنوات طويلة أدرك الجميع الحقيقة التي حاولوا تجاهلها دائمًا أن المرأة التي سخروا من تجاعيد وجهها قبل ساعة واحدة كانت وحدها تحمل المصنع كله فوق كتفيها.
ظلّ صوت الإدارة العليا يتردّد داخل المصنع كصفعةٍ ثقيلة نريد الأستاذة أمينة فورًا. لم يتحرك أحد، حتى سامر بدا وكأنه فقد القدرة على الكلام، أغلق الهاتف ببطء ثم نظر نحوي بعينين مضطربتين لأول مرة منذ عرفته وقال بصوت حاول أن يجعله هادئًا الإدارة تريد التحدث معك.
لم أتحرك، أخذت بطاقتي القديمة من فوق الطاولة، تأملت صورتي الباهتة عليها لثوانٍ، ثم وضعتها داخل حقيبتي وقلت ببرود لكنني لم أعد موظفة هنا.
ازدادت الفوضى حولنا؛ أصوات الإنذارات، العمال المتجمهرون، أجهزة المسح المتوقفة، ووفد الخليج الذي بدأ يتحرك داخل قسم الاستقبال دون أن يفهم أحد كيف يشرح له ما يحدث. اقترب سامر خطوة أخرى وقال بتوتر واضح أمينة أرجوكِ. ضحكتُ بسخرية متعبة، قبل ساعة فقط كان وجهي لا يصلح لاستقبال العملاء، والآن أصبحوا يبحثون عني كأن المصنع يختنق بدوني.
رنّ هاتفي مرة أخرى، هذه
المرة أجبت، جاءني صوت امرأة تتحدث العربية بلكنة أجنبية هادئة الأستاذة أمينة؟ أنا هالة منصور من الإدارة الإقليمية. صمتُّ، فأكملت نحتاج عودتك فورًا إلى النظام. قلت ببرود أنا استقلت.
نعلم ذلك.
إذن لماذا تتصلون بي؟. ساد صمت قصير ثم قالت بصراحة لأن المصنع متوقف بالكامل.
نظرت حولي؛ إلى الوجوه المرتبكة، إلى العمال الذين ينتظرون، إلى ابني الواقف قرب المستودع وعيناه لا تفارقانني، ثم قلت هذا ليس خطئي.
نعرف. ولأول مرة شعرت أنهم يقولون الحقيقة فعلًا. قالت هالة بهدوء راجعت سجلات النظام منذ دقائق كل البنية الرئيسية مرتبطة بصلاحياتك القديمة. ابتسمت بمرارة، أخيرًا فهموا ولكن بعد ماذا؟ قالت نريد منك العودة مؤقتًا كمستشارة تقنية. سألتها فورًا بعقد رسمي؟. ترددت للحظة ثم قالت نعم.
رفعت عيني نحو سامر، كان يراقبني بقلق شديد، فقلت بوضوح لدي شروط.
تفضلي.
أولًا لا أعود كموظفة.
موافقون.
ثانيًا كل شيء يكون مكتوبًا.
موافقون.
ثالثًا ابني لا يُمسّ، ولا يُعاقب أي موظف حاول الدفاع عني اليوم. نظرتُ نحو فني الأنظمة الشاب الذي وقف متوترًا قرب الأجهزة ثم أكملت ولا ذلك الشاب أيضًا. قالت هالة مباشرة تم.
تنفست ببطء، ثم قلت الجملة الأخيرة وأنا أنظر إلى ريم وأريد ملفاتي كاملة دون ورقة ناقصة. خفضدت ريم رأسها فورًا، أما سامر فكان
واقفًا كمن يُسحب منه الهواء ببطء. قالت هالة هل تعودين الآن؟. نظرت إلى الشاشات الحمراء الممتدة داخل المصنع ثم قلت سأعود ولكن بصفتي الشخص الوحيد هنا الذي يعرف كيف يُنقذ هذه الكارثة، وأغلقت الخط.
ساد صمت ثقيل، ثم فجأة ابتعد رجال الأمن من الطريق، وتحرك العمال تلقائيًا ليفسحوا لي ممرًا وسط المصنع كأنهم لا يرون موظفة عادية بل آخر فرصة لإنقاذ المكان كله.
حين جلست أمام الحاسوب القديم مجددًا شعرت وكأنني أعود إلى حرب قديمة أعرفها جيدًا؛ الشاشة السوداء، الحروف الخضراء، الأوامر النصية التي سخروا منها سنوات. اقترب فني الأنظمة الشاب وهمس كلهم ينتظرونك. أجبته بهدوء إذن لا يُزعجني أحد. حتى سامر لم يجرؤ على الاعتراض.
بدأت أراجع سجلات النظام بسرعة؛ الأوامر، سجل الدخول، صلاحيات التشغيل، تقارير الجودة، ثم فجأة توقفت يدي، ضيّقت عيني نحو الشاشة وأعدت فتح الملف مرة أخرى.. لا، هذا مستحيل، لكن الأرقام كانت أمامي بوضوح. رفعت رأسي ببطء ونظرت مباشرة إلى ريم، كانت ترتجف. سألتها بصوت هادئ أخطر من الصراخ أنتِ من وافق على تجاوز الجودة هذا؟. ارتبكت فورًا أنا.. أنا لم أقصد... اقترب سامر بسرعة وقال بعصبية ليس الآن يا أمينة. لكنني تجاهلته تمامًا وأعدت النظر إلى الشاشة، ثم شعرت ببرودة تسري في أطرافي؛ أجهزة التعقيم الخاصة
بالشحنة الطبية كانت قد
تم نسخ الرابط