توفي زوجي، في حادث سيارة… لكن بعد شهر من جنازته، اتصل بي مديره وقال:
المحتويات
على حافة السرير وكأنها انهارت أخيرًا.
قالت وهي تمسح دموعها من سنة تقريبًا، سامح اكتشف إن الشركة بتغسل فلوس لشبكة كبيرة تهريب سلاح ومخدرات وتحويلات بره البلد. ولما حاول يجمع أدلة، عرفوا.
شعرت بالغثيان.
تذكرت خوفه في الشهور الأخيرة. تغيّر مزاجه. إصراره على تبديل الطريق يوميًا. وإغلاقه للهاتف أحيانًا بمجرد دخولي.
كل شيء بدأ يترابط بشكل مرعب.
سألتها وإنتِ عرفتي منين؟
خفضت رأسها.
وقالت لأني أنا اللي ساعدته يهرب.
نظرت لها بصدمة.
أكملت بسرعة سامح جهلي ليلة الحادث وهو مصاب. قال إنهم عرفوا إنه ناوي يسلّم الملفات للشرطة. كان لازم يختفي فورًا فرتبنا حادث مزيف.
صرخت طب والجثة؟!
أغمضت عينيها وقالت كانت لرجل مات قبلها بساعات في حادث تاني والناس اللي ساعدوا سامح بدلوا التقارير.
شعرت بأنني سأفقد عقلي.
كل ما عشته خلال الشهر الماضي الجنازة العزاء دموع أطفالي
كلّه كان كذبة؟!
لكن السؤال الأهم خرج أخيرًا من بين شفتي
ليه ماقاليش الحقيقة؟
رفعت ندى عينيها نحوي، وكانت مليئة بالخوف.
ثم قالت لأنه كان متأكد إن في حد قريب منك بيراقب البيت.
وفي تلك اللحظة بالضبط
رنّ هاتف سامح القديم الموجود داخل درج مكتبه بالأسفل.
الهاتف الذي كان مغلقًا منذ يوم وفاته.
تبادلنا النظرات بذهول.
ثم نزلتُ الدرج ببطء
والرنين مستمر.
وعندما فتحت الدرج
وجدت الشاشة مضيئة باسم واحد فقط
سامح تجمدت يدي فوق الهاتف.
الرنين مستمر واسم سامح
خلفي، كانت ندى تنزل الدرج ببطء، ووجهها شاحب.
همست إوعي تردي.
لكنني كنت قد ضغطت زر الإجابة بالفعل.
وضعت الهاتف على أذني، وقلبي يكاد ينفجر.
في البداية لم أسمع سوى صوت تشويش وأنفاس متقطعة.
ثم جاء صوته.
ضعيفًا متعبًا لكنه هو.
إيمان اسمعيني كويس. مافيش وقت.
شعرت بدموعي تنهمر فورًا.
لم أستطع الكلام.
فقط أمسكت حافة الطاولة حتى لا أسقط.
قال بسرعة البيت مراقَب. لازم تاخدي الولاد وتمشي حالًا.
نظرت تلقائيًا نحو النوافذ.
الستائر كانت مفتوحة قليلًا وخارج البيت، على الجانب الآخر من الشارع، كانت هناك سيارة سوداء متوقفة ومحركها يعمل.
همست سامح إنت فين؟
لكن صوته أصبح أكثر توترًا اسمعيني! الملف اللي عندك ناقص. في فلاشة تانية مخبية جوه لعبة يوسف الزرقا.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
اللعبة الزرقاء الدب القديم الذي لا ينام يوسف إلا وهو يحتضنه.
تابع سامح الفلاشة فيها كل الأسماء. لو وصلت للشرطة الصح، هننجو. لو وقعت في إيد الشخص الغلط إحنا كلنا هنموت.
ثم فجأة
سمعنا صوت باب سيارة يُغلق بعنف عبر الهاتف.
توقف سامح عن الكلام لثانية.
بعدها قال بصوت منخفض جدًا هم لقوني.
وانقطع الخط.
صرخت سامح! سامح!
لكن لا رد.
وفي نفس اللحظة
أضاءت أنوار السيارة السوداء بالخارج مباشرة نحو بيتنا.
شعرت ندى بالرعب وقالت لازم نهرب دلوقتي!
ركضتُ نحو غرفة يوسف. كنت أسمع ضربات قلبي
دخلت الغرفة، أمسكت الدب بسرعة، ومزّقت الخياطة السفلية بيدي المرتجفتين.
وسقطت فلاشة صغيرة سوداء على الأرض.
قبل أن ألتقطها
سمعنا صوت تحطم زجاج الطابق السفلي.
ثم صوت خطوات رجال دخلوا المنزل.
تجمّدت مريم وهي تحتضن أخاها.
أما ندى فأخرجت من حقيبتها مسدسًا صغيرًا.
نظرت إليها بصدمة.
صرخت إنتِ معاكي سلاح؟!
قالت وهي تدفعني نحو الباب الخلفي بعدين يا إيمان! خدي الولاد واهربي!
ثم دوّى صوت رجل من الأسفل
دَوّروا على الفلاشة والبنتين ما يطلعوش عايشين.
شعرت بأن الدم تجمد في عروقي.
أمسكت أطفالي وركضت نحو الباب الخلفي بينما كانت خطوات الرجال تقترب بسرعة
لكن قبل أن أخرج بلحظة
سمعت طلقة نارية واحدة خلفي مباشرة توقفتُ رغماً عني.
الطلقة دوّت داخل البيت كأنها انفجرت في صدري أنا.
صرخت مريم مامااا!
وسقط يوسف يبكي بقوة وهو يغطي أذنيه.
التفتُّ للخلف ببطء
فرأيت ندى واقفة أعلى السلم، تمسك المسدس بيد مرتجفة.
وأحد الرجال بالأسفل سقط على الأرض.
لكن لم يكن وحده.
كان هناك ثلاثة آخرون يصعدون بسرعة.
صرخت ندى إيمان اهربييي!
ثم أطلقت رصاصة ثانية.
أمسكتُ الطفلين وركضت عبر الباب الخلفي إلى الحديقة، والمطر يهطل بغزارة حتى شعرت أننا نغرق.
قدماي كانتا تنزلقان فوق الطين وأنا أجرّ يوسف وأحتضن مريم.
خلفنا، كانت أصوات الصراخ والطلقات تملأ البيت.
وصلت إلى السور الخلفي وأنا ألهث.
كان هناك باب حديدي صغير يؤدي إلى
لكن قبل أن أصل إليه
ظهرت سيارة سوداء أخرى فجأة وأغلقت الطريق.
تجمّدتُ مكاني.
نزل منها رجل طويل يرتدي معطفًا داكنًا.
وفي اللحظة التي رفع فيها وجهه تحت ضوء المصباح
شهقتُ بقوة.
كنت أعرفه.
كمال.
أقرب أصدقاء سامح.
الرجل الذي بكى في جنازته أكثر من الجميع.
ابتسم لي ابتسامة باردة وقال كنتِ هتتعبي نفسك على الفاضي يا إيمان.
تراجعت وأنا أضم أطفالي خلفي.
قلت بصوت مرتعش إنت إنت اللي في التسجيل.
صفق ببطء وكأنه معجب.
ثم قال سامح كان ذكي بس مش كفاية.
اقترب خطوة أخرى.
كان المفروض يسلم الملفات ويسكت. لكنه حاول يبقى بطل.
صرخت فيه فين سامح؟!
ابتسم ابتسامة مرعبة.
وقال حي لحد دلوقتي على الأقل.
شعرت بالأمل والخوف في نفس اللحظة.
لكن كمال أشار إلى الفلاشة في يدي.
وقال ببرود هاتيهالي ويمكن أسيبك تمشي إنتِ والعيال.
في تلك اللحظة، خرجت ندى من الباب الخلفي للمنزل وهي تنزف من كتفها.
صرخت إيمان لاااا!
ثم رفعت المسدس نحو كمال.
لكن قبل أن تضغط الزناد
خرج رجل آخر من خلف السيارة وضربها بعنف على رأسها.
سقطت ندى أرضًا بلا حراك.
صرختُ باسمها، بينما بدأ يوسف ينهار من البكاء.
أما كمال فنظر إليّ بعينين باردتين وقال
آخر فرصة.
ثم مدّ يده نحوي ببطء.
لكن قبل أن ألمس الفلاشة
سمعنا صوت سيارات شرطة يقترب بسرعة من آخر الشارع.
تغير وجه كمال فورًا.
أحد رجاله صرخ حد بلّغ عنّا!
وفي اللحظة نفسها
وصلتني رسالة على هاتفي
رسالة قصيرة جدًا.
افتحي الفلاشة الآن وشغلي الملف الأخير وقفتُ مكانِي للحظة الهاتف يرتجف في يدي.
صوت سيارات الشرطة
متابعة القراءة